الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


" ونظم القرآن " جنس متميز ، وأسلوب متخصص ، وقبيل عن النظير متخلص ؛ فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه ، فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره ، وما نبين لك من عواره ، على التفصيل . وذلك قوله :


قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل     فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وشمأل



[ ص: 160 ] الذين يتعصبون له ويدعون محاسن الشعر ، يقولون : هذا من البديع ؛ لأنه وقف واستوقف ، وبكى واستبكى ، وذكر العهد والمنزل والحبيب ، وتوجع واستوجع ، كله في بيت ؛ ونحو ذلك .

وإنما بينا هذا لئلا يقع لك ذهابنا على مواضع المحاسن - إن كانت - ، ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة ، إن وجدت .

تأمل - أرشدك الله - ، وانظر - هداك الله : أنت تعلم أنه ليس في البيتين شيء قد سبق في ميدانه شاعرا ، ولا تقدم به صانعا . وفي لفظه ومعناه خلل :

فأول ذلك : أنه استوقف من يبكي لذكر الحبيب ، وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي ، وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا ، على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في شدة برحائه ؛ فأما أن يبكي على حبيب صديقه ، وعشيق رفيقه ، فأمر محال .

فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضا عاشقا ، صح الكلام من وجه ، وفسد المعنى من وجه آخر ! لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه ، وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه ، والتواجد معه فيه !

ثم في البيتين ما لا يفيد ، من ذكر هذه المواضع ، وتسمية هذه الأماكن : من " الدخول " و " حومل " و " توضح " و " المقراة " و " سقط اللوى " ، وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا . وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العي !

ثم إن قوله : " لم يعف رسمها " ، ذكر الأصمعي من محاسنه : أنه باق فنحن نحزن على مشاهدته ، فلو عفا لاسترحنا .

وهذا بأن يكون من مساويه أولى ؛ لأنه إن كان صادق الود ، فلا يزيده [ ص: 161 ] عفاء الرسوم إلا جدة عهد ، وشدة وجد . وإنما فزع الأصمعي إلى إفادته هذه الفائدة ، خشية أن يعاب عليه ، فيقال : أي فائدة لأن يعرفنا أنه لم يعف رسم منازل حبيبه ؟ وأي معنى لهذا الحشو ؟ فذكر ما يمكن أن يذكر ؛ ولكن لم يخلصه - بانتصاره له - من الخلل .

ثم في هذه الكلمة خلل آخر ، لأنه عقب البيت بأن قال :


فهل عند رسم دارس من معول !



فذكر أبو عبيدة : أنه رجع فأكذب نفسه ، كما قال زهير :


قف بالديار التي لم يعفها القدم     نعم ، وغيرها الأرواح والديم



وقال غيره : أراد بالبيت الأول أنه لم ينطمس أثره كله ، وبالثاني أنه ذهب بعضه ، حتى لا يتناقض الكلامان .

وليس في هذا انتصار ؛ لأن معنى " عفا " و " درس " واحد ، فإذا قال : " لم يعف رسمها " ثم قال : " قد عفا " ، فهو تناقض لا محالة !

واعتذار " أبي عبيدة " أقرب لو صح ، ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك كما قاله زهير ، فهو إلى الخلل أقرب .

وقوله : " لما نسجتها " ، كان ينبغي أن يقول : " لما نسجها " ، ولكنه تعسف فجعل " ما " في تأويل تأنيث ، لأنها في معنى الريح ، والأولى التذكير دون التأنيث ، وضرورة الشعر قد قادته إلى هذا التعسف .

وقوله : " لم يعف رسمها " كان الأولى أن يقول : " لم يعف رسمه " ؛ لأنه ذكر المنزل ؛ فإن كان رد ذلك إلى هذه البقاع والأماكن [ ص: 162 ] التي المنزل واقع بينها ، فذلك خلل ؛ لأنه إنما يريد صفة المنزل الذي نزله حبيبه ، بعفائه ، أو بأنه لم يعف دون ما جاوره .

وإن أراد بالمنزل الدار حتى أنث ، فذلك أيضا خلل .

ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل - لم نشك في أن شعر أهل زماننا لا يقصر عن البيتين ؛ بل يزيد عليهما ويفضلهما .

* * *

ثم قال :


وقوفا بها صحبي علي مطيهم     يقولون : لا تهلك أسى وتحمل
وإن شفائي عبرة مهراقة     فهل عند رسم دارس من معول



وليس في البيتين أيضا معنى بديع ، ولا لفظ حسن كالأولين .

والبيت الأول منهما متعلق بقوله : " قفا نبك " فكأنه قال : قفا وقوف صحبي بها علي مطيهم ، أو : قفا حال وقوف صحبي . وقوله " بها " : متأخر في المعنى وإن تقدم في اللفظ . ففي ذلك تكلف وخروج عن اعتدال الكلام .

والبيت الثاني مختل من جهة أنه قد جعل الدمع في اعتقاده شافيا كافيا ، فما حاجته بعد ذلك إلى طلب حيلة أخرى ، وتحمل ومعول عند الرسوم ؟

ولو أراد أن يحسن الكلام لوجب أن يدل على أن الدمع لا يشفيه لشدة ما به من الحزن ، ثم يسائل : هل عند الربع من حيلة أخرى ؟

* * *

وقوله :


كدأبك من أم الحويرث قبلها     وجارتها أم الرباب بمأسل
[ ص: 163 ] إذا قامتا تضوع المسك منهما     نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل


أنت لا تشك في أن البيت الأول قليل الفائدة ، ليس له مع ذلك بهجة ، فقد يكون الكلام مصنوع اللفظ ، وإن كان منزوع المعنى !

وأما البيت الثاني فوجه التكلف فيه قوله :


إذا قامتا تضوع المسك منهما



ولو أراد أن يجود أفاد أن بهما طيبا على كل حال ، فأما في حال القيام فقط ، فذلك تقصير ! ! !

ثم فيه خلل آخر : لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك ، شبه ذلك بنسيم القرنفل ، وذكر ذلك بعد ذكر المسك نقص .

وقوله : " نسيم الصبا " ، في تقدير المنقطع عن المصراع الأول ، لم يصله به وصل مثله .

* * *

وقوله :


ففاضت دموع العين مني صبابة     على النحر حتى بل دمعي محملي
ألا رب يوم لك منهن صالح     ولا سيما يوم بدارة جلجل



قوله : " ففاضت دموع العين " ، ثم استعانته بقوله : " مني " استعانة ضعيفة عند المتأخرين في الصنعة ، وهو حشو غير مليح ولا بديع .

وقوله : " على النحر " ، حشو آخر ، لأن قوله : " بل دمعي محملي " يغني عنه ، ويدل عليه ، وليس بحشو حسن ، ثم قوله : " حتى بل محملي " إعادة ذكره الدمع حشو آخر ، وكان يكفيه أن يقول : " حتى بلت محملي ، فاحتاج لإقامة الوزن إلى هذا كله .

ثم تقديره أنه قد أفرط في إفاضة الدمع حتى بل محمله ، تفريط [ ص: 164 ] منه وتقصير ، ولو كان أبدع لكان يقول : حتى بل دمعي مغانيهم وعراصهم ، ويشبه أن يكون غرضه إقامة الوزن والقافية ؛ لأن الدمع يبعد أن يبل المحمل ، وإنما يقطر من الواقف والقاعد على الأرض أو على الذيل ! ! وإن بله فلقلته وأنه لا يقطر .

وأنت تجد في شعر الخبزرزي ما هو أحسن من هذا البيت ، وأمتن ، وأعجب منه .

والبيت الثاني خال من المحاسن والبديع ، خاو من المعنى ، وليس له لفظ يروق ، ولا معنى يروع ، من طباع السوقة ! فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب .

* * *

وقال :


ويوم عقرت للعذارى مطيتي     فيا عجبا من رحلها المتحمل
فظل العذارى يرتمين بلحمها     وشحم كهداب الدمقس المفتل



تقديره : اذكر يوم عقرت مطيتي ، أو يرده على قوله : " يوم بدارة جلجل " ، وليس في المصراع الأول من هذا البيت إلا سفاهته ! ! قال بعض الأدباء : قوله " يا عجبا " يعجبهم من سفهه في شبابه : من نحره لهن . وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعا عن الأول ، وأراد أن يكون الكلام ملائما له .

وهذا الذي ذكره بعيد . وهو منقطع عن الأول ، وظاهره أنه يتعجب من [ ص: 165 ] تحمل العذارى رحله ! وليس في هذا تعجب كبير ، ولا في نحر الناقة لهن تعجب !

وإن كان يعني به أنهن حملن رحله ، وأن بعضهن حمله ، فعبر عن نفسه برحله ، فهذا قليلا يشبه أن يكون عجبا ، لكن الكلام لا يدل عليه ، ويتجافى عنه .

ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شيء غريب ، ولا معنى بديع ، أكثر من سفاهته ، مع قلة معناه ، وتقارب أمره ، ومشاكلته طبع المتأخرين من أهل زماننا !

وإلى هذا الموضع لم يمر له بيت رائع ، وكلام رائق .

وأما البيت الثاني فيعدونه حسنا ، ويعدون التشبيه مليحا واقعا . وفيه شيء : وذلك أنه عرف اللحم ونكر الشحم ، فلا يعلم أنه وصف شحمها ، وذكر تشبيه أحدهما بشيء واقع للعامة ، ويجري على ألسنتهم ! وعجز عن تشبيه القسمة الأولى فمرت مرسلة ! وهذا نقص في الصنعة ، وعجز عن إعطاء الكلام حقه .

وفيه شيء آخر من جهة المعنى : وهو : أنه وصف طعامه الذي أطعم من أضاف بالجودة ، وهذا قد يعاب . وقد يقال : إن العرب تفتخر بذلك ولا يرونه عيبا ، وإنما الفرس هم الذين يرون هذا عيبا شنيعا .

وأما تشبيه الشحم بالدمقس ، فشيء يقع للعامة ويجري على ألسنتهم ، فليس بشيء قد سبق إليه ، وإنما زاد " المفتل " للقافية ، وهذا مفيد ، ومع ذلك فلست أعلم العامة تذكر هذه الزيادة ، ولم يعد أهل الصنعة ذلك من البديع ، ورأوه قريبا .

وفيه شيء آخر من جهة المعنى : وهو : أن تبجحه بما أطعم للأحباب مذموم ، وإن سوغ التبجح بما أطعم للأضياف ، إلا أن [ ص: 166 ] يورد الكلام مورد المجون ، وعلى طريق أبي نواس في المزاح والمداعبة !

* *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث