الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : لا يجب شكر المنعم عقلا

لا يجب شكر المنعم عقلا خلافا للمعتزلة .

ودليله أن لا معنى للواجب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به وتوعد بالعقاب على تركه ، فإذا لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب ؟ ثم تحقيق القول فيه أن العقل لا يخلو إما أن يوجب ذلك لفائدة أو لا لفائدة ، ومحال أن يوجب لا لفائدة فإن ذلك عبث وسفه وإن كان لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود وهو محال إذ يتعالى ويتقدس عن الأغراض ، أو إلى العبد وذلك لا يخلو إما أن تكون في الدنيا أو في الآخرة ، ولا فائدة له في الآخرة بل يتعب بالنظر والفكر والمعرفة والشكر ويحرم به عن الشهوات واللذات ، ولا فائدة له في الآخرة فإن الثواب تفضل من الله يعرف بوعده وخبره فإذا لم يخبر عنه فمن أين يعلم أنه يثاب عليه ؟ فإن قيل : يخطر له أنه إن كفر وأعرض ربما يعاقب والعقل يدعو إلى سلوك طريق الأمن .

قلنا : لا بل العقل يعرف طريق الأمن ثم الطبع يستحث على سلوكه ، إذ كل إنسان مجبول على حب نفسه وعلى كراهة الألم فقد غلطتم في قولكم إن العقل داع بل العقل هاد والبواعث والدواعي تنبعث من النفس تابعة لحكم العقل ، وغلطتم أيضا في قولكم إنه يثاب على جانب الشكر والمعرفة خاصة ; لأن هذا الخاطر مستنده توهم غرض في جانب الشكر يتميز به عن الكفر وهما متساويان بالإضافة إلى [ ص: 50 ] جلال الله تعالى ، بل إن فتح باب الأوهام فربما يخطر له أن الله يعاقبه لو شكره ونظر فيه لأنه أمده بأسباب النعم فلعله خلقه ليترفه وليتمتع ، فإتعابه نفسه تصرف في مملكته بغير إذنه .

ولهم شبهتان إحداهما قولهم : اتفاق العقلاء على حسن الشكر وقبح الكفران لا سبيل إلى إنكاره . وذلك مسلم لكن في حقهم ; لأنهم يهتزون ويرتاحون للشكر ويغتمون بالكفران ، والرب تعالى يستوي في حقه الأمران فالمعصية والطاعة في حقه سيان ; ويشهد له أمران

أحدهما : أن المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية بيته وحجرته مستهين بنفسه وعبادة العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في الرتبة .

والثاني : أن من تصدق عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة فأخذ يدور في البلاد وينادي على رءوس الأشهاد بشكره كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا وافتضاحا . وجملة نعم الله تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك بالنسبة إلى خزائن الملك ; لأن خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكثرة لتناهيها ومقدورات الله تعالى لا تتناهى بأضعاف ما أفاضه على عبده .

الشبهة الثانية : قولهم حصر مدارك الوجوب في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل ، فإنهم إذا أظهروا المعجزات قال لهم المدعون لا يجب علينا النظر في معجزاتكم إلا بالشرع ، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في معجزاتكم ، فثبتوا علينا وجوب النظر حتى ننظر ولا نقدر على ذلك ما لم ننظر فيؤدي إلى الدور .

والجواب من وجهين أحدهما : من حيث التحقيق ، وهو أنكم غلطتم في ظنكم بنا أنا نقول استقرار الشرع موقوف على نظر الناظرين ، بل إذا بعث الرسول وأيد بمعجزته بحيث يحصل بها إمكان المعرفة لو نظر العاقل فيها فقد ثبت الشرع واستقر ورود الخطاب بإيجاب النظر ، إذ لا معنى للواجب إلا ما ترجح فعله على تركه بدفع ضرر معلوم أو موهوم ، فمعنى الوجوب رجحان الفعل على الترك والموجب هو المرجح والله تعالى هو المرجح وهو الذي عرف رسوله وأمره أن يعرف الناس أن الكفر سم مهلك والمعصية داء والطاعة شفاء ; فالمرجح هو الله تعالى ، والرسول هو المخبر ، والمعجزة سبب يمكن العاقل من التوصل إلى معرفة الترجيح ، والعقل هو الآلة التي بها يعرف صدق المخبر عن الترجيح ، والطبع المجبول على التألم بالعذاب والتلذذ بالثواب هو الباعث المستحث على الحذر من الضرر . وبعد ورود الخطاب حصل الإيجاب الذي هو الترجيح ، وبالتأييد بالمعجزة حصل الإمكان في حق العاقل الناظر إذ قدر به على معرفة الرجحان ، فقوله : لا أنظر ما لم أعرف ولا أعرف ما لم أنظر ، مثاله ما لو قال الأب لوالده : التفت فإن وراءك سبعا عاديا هو ذا يهجم عليك إن غفلت عنه ، فيقول : لا ألتفت ما لم أعرف وجوب الالتفات ولا يجب الالتفات ما لم أعرف السبع ولا أعرف السبع ما لم ألتفت ، فيقول له : لا جرم تهلك بترك الالتفات وأنت غير معذور لأنك قادر على الالتفات وترك العناد .

فكذلك النبي يقول : الموت وراءك ودونه الهوام المؤذية والعذاب الأليم إن تركت الإيمان والطاعة ، وتعرف ذلك بأدنى نظر في معجزتي ، فإن نظرت وأطعت نجوت وإن غفلت وأعرضت فالله تعالى غني عنك وعن عملك ، وإنما أضررت بنفسك . فهذا أمر معقول لا تناقض فيه

الجواب الثاني : المقابلة بمذهبهم فإنهم قضوا بأن العقل هو الموجب ، وليس يوجب بجوهره إيجابا ضروريا لا ينفك منه أحد ، إذ لو كان [ ص: 51 ] كذلك لم يخل عقل عاقل عن معرفة الوجوب ، بل لا بد من تأمل ونظر ، ولو لم ينظر لم يعرف وجوب النظر ، وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر ، فيؤدي أيضا إلى الدور كما سبق فإن قيل : العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له أحدهما : أنه إن نظر وشكر أثيب ، والثاني : أنه إن ترك النظر عوقب ، فيلوح له على القرب وجوب سلوك طريق الأمن .

قلنا : كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر ، بل قد يخطر له أنه لا يتميز في حق الله تعالى أحدهما عن الآخر فكيف أعذب نفسي بلا فائدة ترجع إلي ولا إلى المعبود ؟ ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر بعد إنذار النبي وتحذيره ، ونحن لا ننكر أن الإنسان إذا استشعر المخافة استحثه طبعه على الاحتراز ، فإن الاستشعار إنما يكون بالتأمل الصادر عن العقل . فإن سمى مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في الكلام ، بل الحق الذي لا مجاز فيه أن الله موجب أي : مرجح على الترك والنبي مخبر والعقل معرف والطبع باعث والمعجزة ممكنة من التعريف ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث