الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

4344 [ 2264 ] عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: " أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة".

رواه أحمد ( 4 \ 395 )، ومسلم (2355) (126). [ ص: 147 ]

التالي السابق


[ ص: 147 ] و (قوله: " ونبي التوبة ") أي: الذي تكثر التوبة في أمته، وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر، فيقرب معناه على هذا من " الماحي " إلا أن ذلك يشهد بمحو ما ظهر من الكفر، وهذا يشهد بصحة ما يخفى من توبة أمته منه، ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم، ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب، ولا يؤاخذ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته، فيصدق أنه نبي التوبة، فلا بد من إبداء مزية لنبينا يختص بها كما بينا.

و (قوله: " ونبي الرحمة ") وفي أخرى: " المرحمة " وفي أخرى: " الملحمة " فأما الرحمة، والمرحمة فكلاهما بمعنى واحد، وقد تقدم أن الرحمة إفاضة النعم على المحتاجين، والشفقة عليهم، واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته منها ما لم يعطه أحدا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] فهو أعظم كل رحمة، وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة، وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعم كل رحمة، ولأهل الكبائر أجل كل نعمة، وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة.

وأما رواية من روى: " نبي الملحمة ": فهذا صحيح في نعته، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه، فإنه قد جاء فيها: أنه نبي الملاحم، [ ص: 148 ] وأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام، فمنها ما جاء في صحف حبقوق ، قال: جاء الله من التين، وتقدس من فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملأ الأرض من هيبته. وفيها أيضا: تضيء الأرض بنورك، وستنزع في قوسك إغراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء. ويعني بالتين الجبال التي تنبته، وهي جبال بيت المقدس ، ومجيء الله تعالى منها عبارة عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام. وفاران: مكة ، كما قال تعالى في التوراة: " إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران " يعني: مكة بلا خلاف بينهم. وفي التوراة قال: " قد جاء الله من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلى من فاران " فمجيئه تعالى من سيناء : كناية عن ظهور موسى عليه السلام بها، وإشراقه من ساعير : وهي جبال الروم من أدوم: كناية عن ظهور عيسى عليه السلام. واستعلاؤه من فاران : كناية عن القهر الذي يقهر به نبينا صلى الله عليه وسلم الكفر كله بالقتل والقتال. وقال في التوراة: " يا موسى ! إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيا مثلك، أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه، وإخوة بني إسرائيل العرب، فإنهم ولد إسماعيل عليه السلام، وهم المعنيون هنا. و (قوله: " أجعل كلامي على فيه ") يعني به: القرآن، والانتقام ممن عصاه: هو القتل والقتال الذي جاء به، ومثل هذا كثير. وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب " الأعلام ".

[ ص: 149 ] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش ! لقد جئتكم بالذبح ". وقال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به " فهو نبي الملحمة التي بسببها عمت الرحمة وثبتت المرحمة. وقد تتبع القاضي أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومما نقل في الكتب القديمة. وإطلاق الأمة أسماء كثيرة، وصفات عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم صدقت عليه مسمياتها، ووجدت فيه معانيها، وعرف في كتاب " الشفا في التعريف بحقوق المصطفى ". وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب " الأحكام " من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم سبعة وستين اسما، من أرادها وجدها هنالك.

و (قوله: " وقد سماه الله رؤوفا رحيما ") ليس هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم بل من قول غيره، وهو الصحابي، والله أعلم، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب الغيبة، ولو كان من قوله صلى الله عليه وسلم لقال: وقد سماني الله: رؤوفا رحيما. هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون ذلك من قوله. وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم [يونس: 22] وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى: بالمؤمنين رءوف رحيم [التوبة: 128] والرؤوف: الكثير الرأفة. والرحيم: الكثير الرحمة، فإنها للمبالغة. وقد جاء في الصحيح: " لي خمسة أسماء " فحصرها بالعدد، وذكر الأسماء المتقدمة. وقد يقال: ما وجه تخصيص هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك، فيجاب عنه: بأن هذه [ ص: 150 ] الخمسة الأسماء هي الموجودة في الكتب المتقدمة، وأعرف عند الأمم السالفة، ويحتمل أن يقال: إنه في الوقت الذي أخبر بهذه الأسماء الخمسة لم يكن أوحي إليه في غيرها بشيء، فإن أسماءه إنما تلقاها من الوحي، ولا يسمى إلا بما سماه الله به، وهذا أسد الجوابين إن شاء الله تعالى.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث