الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد

جزء التالي صفحة
السابق

4452 [ 2337 ] وعنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله ! إن كان لخليقا للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده".

زاد في أخرى: "فأوصيكم به فإنه من صالحيكم".

رواه أحمد ( 2 \ 110 )، والبخاري (6627)، ومسلم (2426) (63 و 64)، والترمذي بإثر حديث (3816).

التالي السابق


و (قوله: " إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم طعنتم في إمرة أبيه قبل ") هذا خطاب منه صلى الله عليه وسلم لمن وقع له ذلك الطعن، لكنه على كريم خلقه لم يعينهم سترا لهم، إذ معتبته كانت كذلك، كما تقدم، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولى، فشهد النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة وأبيه - رضي الله عنهما - بأنهما صالحان للإمارة، لما يعلم من أهليتهما لها، وأن كونهما موليين لا يغض من مناصبهما، ولا يقدح في أهليتهما للإمارة.

ولا خلاف أعلم في جواز إمارة المولى والمفضول ، وقد تقدم القول في استخلاف المفضول.

و " الإمرة " رويناها بالكسر بمعنى: الولاية، وقال أبو عبيد : يقال: لك علي أمرة مطاعة - بفتح الهمزة -، وكذلك حكاه القتبي، وهي واحدة الأمر.

قلت: وهذا على قياس: جلسة، وجلسة - بالفتح للمصدر والكسر للهيئة -.

والخليق، والحري، والقمن، والحقيق: كلها بمعنى واحد.

[ ص: 309 ] و (قوله: " وإن كان لمن أحب الناس إلي ") " إن " عند البصريين مخففة من الثقيلة، واللام الداخلة بعدها هي المفرقة بين " إن " المخففة وبين " إن " الشرطية. وعند الكوفيين: " إن " نافية، واللام بمعنى: إلا. وهذا نحو قوله:


شلت يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد

تقديرها عند البصريين: إنك قتلت مسلما. وعند الكوفيين: ما قتلت إلا مسلما.

وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر عن محبته [ لزيد رضي الله عنه، ثم أخبر عن محبته]. لأسامة فقال: " وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده ". فكان أسامة الحب ابن الحب. وبذلك كان يدعى. ورضي الله عن عمر بن الخطاب ، لقد قام بالحق، وعرفه لأهله، وذلك: أنه فرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين. فقال له عبد الله : فضلت علي أسامة ، وقد شهدت ما لم يشهد؟ ! فقال رضي الله عنه: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك. ففضل محبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبوبه، وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغض ما أبغض، وقد قابل مروان هذا الحب الواجب بنقيضه، وذلك: أنه مر بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مروان : إنما أردت أن يرى مكانك فقد رأينا مكانك، فعل الله بك وفعل - قولا قبيحا - فقال له أسامة: إنك آذيتني، وإنك فاحش متفحش، [ ص: 310 ] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يبغض الفاحش المتفحش ". فانظر ما بين الفعلين، وقس ما بين الرجلين، فلقد آذى بنو أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحبابه، وناقضوه في محابه.

تنبيه: روى موسى بن عقبة عن سالم ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أحب الناس إلي أسامة " فما حاشا فاطمة ولا غيرها. وهذا يعارضه ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم إن أحب الناس إليه عائشة ، ومن الرجال أبوها، ويرتفع التعارض من وجهين:

أحدهما: أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبه لأسامة ب: " من " التي للتبعيض، كما قد نص عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه لمن أحب الناس إلي ".

وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أسامة بن زيد أحب الناس إلي " أو " من أحب الناس إلي " فعلى هذا يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أحب الناس إلي أسامة " فأسقطها بعض الرواة.

والوجه الثاني: على تسليم أن صحيح الرواية بغير " من " فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالمه.

وبيان ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يحب هؤلاء من حيث الصورة الظاهرة، فإن أسامة كان أسود أفطس، وإنما كان يحبهم من حيث المعاني، والخصائص التي كانوا موصوفين بها.

فكان أبو بكر رضي الله [ ص: 311 ] عنه أحب إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره.

وكانت عائشة - رضي الله عنها - أحب النساء إليه من حيث إن لها من العلم والفضيلة ما استحقت به أن تفضل على سائر النساء، كما فضل الثريد على سائر الطعام.

وكان أسامة رضي الله عنه أيضا أحب إليه من حيث إنه كان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه، فإنه أفضلهم وأجلهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أوصيكم به خيرا، فإنه من صالحيكم " فأكد الوصية به، ونبه على الموجب لذلك، وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه، فإنه لم يدخل في شيء من الفتن فسلمه الله تعالى من تلك المحن، إلى أن توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين رضي الله عنه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث