الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

4552 [ 2404 ] وعن أم مبشر قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة : لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد - الذين بايعوا تحتها ، قالت : بلى يا رسول الله ! فانتهرها، فقالت حفصة : ألم يقل الله وإن منكم إلا واردها ؟ [مريم : 71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وقد قال ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم: 72].

رواه أحمد ( 6 \ 285 )، ومسلم (2496)، وابن ماجه (4281).

التالي السابق


و (قوله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد - الذين بايعوا تحتها ") ، هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [الفتح: 18] وكانت بالحديبية التي تقدم ذكرها . والمبايعون تحتها كانوا ألفا وأربعمائة ، وقيل : وخمسمائة - كانوا بايعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الموت أو على ألا يفروا ، على خلاف بين الرواة . ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صالح أهل مكة ، وكفى الله المؤمنين القتال وأحرز لهم الثواب ، وأثابهم فتحا قريبا ورضوانا عظيما . واستثناؤه ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا بقوله " إن شاء الله " استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله بقوله [ ص: 444 ] لقد رضي الله عن المؤمنين [الفتح: 18] وبغير ذلك ، وصار هذا الاستثناء كقوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين

و (قول حفصة " بلى ") قول أخرجه منها الشهامة النفسية والقوة العمرية ، فإنها كانت بنت أبيها ، وهذا من نحو قول عمر رضي الله عنه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنافقين : أتصلي عليهم؟ وتمسكها بعموم قوله تعالى : وإن منكم إلا واردها [مريم : 71] دليل على أن " منكم " للعموم عندهم وأن ذلك معروف من لغتهم ، وانتهار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها تأديب لها وزجر عن بادرة المعارضة وترك الحرمة ، ولما حصل الإنكار صرحت بالاعتذار فذكرت الآية ، وحاصل ما فهمت منها أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " بعموم قوله تعالى وإن منكم إلا واردها [مريم: 71] وكأنها رجحت عموم القرآن فتمسكت به ، فأجابها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن آخر الآية يبين المقصود ، فقرأ قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم: 72] وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول ، لكنه دخول عبور ، فينجو من اتقى ، ويترك فيها من ظلم ، وبيان ذلك أن جهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة ، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم ، فلا بد لكل من ضمه المحشر من العبور عليه ؛ فناج مسلم ، ومخدوش مرسل ، ومكردس في نار جهنم - كما تقدم ، وهذا قول الحسن وقتادة ، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة والنظر المستقيم .

[ ص: 445 ] والورود في أصل اللغة الوصول إلى الماء ، وإنما عبر به عن العبور لأن جهنم تتراءى للكفار كأنها سراب فيحسبونه ماء، فيقال لهم : ألا تردون ؟ كما صح في الأحاديث المتقدمة .

وفي حديث حفصة هذا أبواب من الفقه ؛ منها : جواز مراجعة العالم على جهة المباحثة ، والتمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل بل الاعتقاد ومقابلة عموم بعموم ، والجواب بذكر المخصص ، وتأديب الطالب عند مجاوزة حد الأدب في المباحثة .

والمتقي : هو الحذر من المكروه الذي يتحرز منه بإعداد ما يتقى به . ونذر : نترك . والظالم هنا : هو الكافر ؛ لأنه وضع الإلهية والعبادة في غير موضعهما . وجثيا : جمع جاث ، وأصله : الجالس على ركبتيه ، والمراد به ها هنا المكبوب على وجهه وهو المكردس المذكور في الحديث ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث