الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما نهيتكم عنه ، فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم . رواه البخاري ومسلم .

التالي السابق


هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، كلاهما عن أبي هريرة ، وخرجاه من رواية أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : دعوني ما تركتكم ، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء ، فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر ، فأتوا منه ما استطعتم وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه . وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم ثم قال : ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء ، فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء ، فدعوه . وخرجه الدارقطني من وجه آخر مختصرا ، وقال فيه : فنزل قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ( المائدة : 101 ) . وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج ، وقالوا : أفي كل عام ؟ . وفي " الصحيحين " عن أنس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل : من أبي ؟ فقال : " فلان " فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء . وفيهما أيضا عن قتادة ، عن أنس قال : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة ، فغضب ، فصعد المنبر ، فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته ، فقام رجل كان إذا لاحى الرجال دعي إلى غير أبيه ، فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : " أبوك حذافة " ثم أنشأ عمر ، فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، نعوذ بالله من الفتن . وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله هذه الآية ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . وخرج ابن جرير الطبري في " تفسيره " من حديث أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارا وجهه ، حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل ، فقال : أين أنا ؟ فقال " في النار " فقام إليه آخر فقال : من أبي ؟ قال : " أبوك حذافة " فقام عمر فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما ، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا ، قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . وروي أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس ، فقال : يا قوم كتب عليكم الحج فقام رجل ، فقال يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا ، فقال : والذي نفسي بيده ، لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، وإذن لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، فإذا أمرتكم بشيء ، فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شيء ، فانتهوا عنه ، فأنزل الله : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة ، فأصبحوا بها كافرين ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وقال لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ، ولكن انتظروا ، فإذا نزل القرآن ، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه . فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل ؛ هل هو في النار أو في الجنة ، وهل أبوه ما ينسب إليه أو غيره ، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء ، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم . وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت ، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب ، وقال عكرمة وغيره : إن الآية نزلت في ذلك . ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله عن عباده ، ولم يطلعهم عليه ، كالسؤال عن وقت الساعة ، وعن الروح . ودلت أيضا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه ، كالسؤال عن الحج : هل يجب كل عام أم لا ؟ وفي " الصحيح " عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته . ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وعابها حتى ابتلي السائل عنه قبل وقوعه بذلك في أهله ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث