الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 272 ] باب الاستيلاد لا يثبت نسب ولد الأمة من مولاها إلا بدعواه ، فإذا اعترف به صارت أم ولده ، فإذا ولدت منه بعد ذلك ثبت بغير دعوة ، ينتفي بمجرد نفيه بغير لعان ، ولا يجوز إخراجها من ملكه إلا بالعتق ، وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وكتابتها ، وتعتق بعد موته من جميع المال ، ولا تسعى في ديونه ، وحكم ولدها من غيره بعد الاستيلاد حكمها ، وإذا أسلمت أم ولد النصراني سعت في قيمتها وهي كالمكاتبة ( ز ) ، ولو مات سيدها عتقت بلا سعاية ، ولو تزوج أمة غيره فجاءت بولد ثم ملكها صارت أم ولد له ، ولو وطئ جارية ابنه فولدت وادعاه ثبت نسبه وصارت أم ولد له وعليه قيمتها دون عقرها وقيمة ولدها ، والجد كالأب عند انقطاع ولايته .

جارية بين اثنين ولدت فادعاه أحدهما ثبت نسبه ، وعليه نصف قيمتها ونصف عقرها ولا شيء عليه من قيمة ولدها ، وإن ادعياه معا صارت أم ولد لهما ويثبت نسبه منهما ، وعلى كل واحد منهما نصف عقرها ، ويرث من كل واحد منهما كابن ، ويرثان منه كأب واحد .

التالي السابق


باب الاستيلاد

وهو في اللغة : طلب الولد مطلقا ، فإن الاستفعال طلب الفعل . وفي الشرع : طلب الولد من الأمة ، وكل مملوكة ثبت نسب ولدها من مالك لها أو لبعضها فهي أم ولد له لأن الاستيلاد فرع لثبوت الولد ، فإذا ثبت الأصل ثبت فرعه .

قال : ( لا يثبت نسب ولد الأمة من مولاها إلا بدعواه ) لأنه لا فراش لها ، فإن غالب المقصود من وطء الأمة قضاء الشهوة دون الولد ، فإن أشراف الناس يمتنعون من وطء الإماء تحرزا عن الولد لئلا يعير ولده بكونه ولد أمة ، فيشترط لثبوته دعواه لهذا المعنى ، ولهذا جاز له العزل في الأمة دون الزوجة ، لأن المراد من وطء الزوجة طلب الولد غالبا ، قال عليه الصلاة والسلام : " تناكحوا تكثروا " إشارة إلى أن المراد من شرعية النكاح التوالد والتناسل ، ثم إن كان يطؤها ولا يعزل عنها لا يحل له نفيه فيما بينه وبين الله تعالى ، ويلزمه أن يعترف به لأن الظاهر أنه منه ، وإن كان يعزل عنها ولم يحصنها جاز له النفي لتعارض الظاهرين ، وقال أبو يوسف : إن كان يطؤها ولم يحصنها أحب إلي أن يدعيه . وقال محمد : أحب إلي أن يعتق ولدها ويستمتع بها فإذا مات أعتقها . لأبي يوسف أنه يجوز أن يكون منه فلا ينفيه بالشك .

[ ص: 273 ] ولمحمد أنه يجوز أن يكون منه ويجوز أن لا يكون منه فلا يجوز التزامه بالشك . أما العتق فيحتمل أن يكون عبدا ويحتمل أن يكون حرا فلا يسترقه بالشك ، ويستمتع بالأم لأنه مباح له وإن ثبت نسبه ، فإذا مات أعتقها حتى لا تسترق بالشك .

( فإذا اعترف به صارت أم ولده ، فإذا ولدت منه بعد ذلك ثبت بغير دعوة ) لأنه لما ادعى الأول وثبت نسبه تبين أنه قصد الولد فصارت فراشا فيثبت بغير دعوة كالمنكوحة .

( وينتفي بمجرد نفيه بغير لعان ) لأن فراشها ضعيف حتى يقدر على إبطاله بالتزويج وبالعتق فينفرد بنفيه ، بخلاف النكاح فإن فراشه قوي لا يملك إبطاله فلا ينتفي ولده إلا باللعان ، ولو أقر أن أمته حبلى منه ثم جاءت بولد لستة أشهر ثبت نسبه منه وصارت أم ولد له ، ولأكثر من ستة أشهر لا ، وسواء كان الولد حيا أو ميتا أو سقطا قد استبان خلقه أو بعض خلقه إذا أقر به وهو بمنزلة الكل لأن السقط تتعلق به أحكام الولادة على ما مر ، وإن لم يستبن شيء من خلقه وألقته مضغة أو علقة فادعاه لم تصر أم ولد له ، رواه الحسن عن أبي حنيفة لأنه يحتمل أن يكون دما أو لحما فلا يثبت الاستيلاد بالشك .

ولو حرم وطؤها عليه بعد ذلك بوطء أبيه أو ابنه ، أو بوطئه أمها أو بنتها لم يثبت نسب ما تلده بعد ذلك إلا بالدعوة لأن فراشها انقطع ، وإذا ولدت الأمة من رجل ولدا لم يثبت نسبه منه بأن زنى بها ثم ملكها وولدها عتق الولد وجاز له بيع الأم . وقال زفر : لا يجوز لأن الحرية تثبت للولد بالولادة فيثبت لأمه الاستيلاد كالثابت النسب . ولنا أن الاستيلاد يتبع النسب ولهذا يضاف إليه ، فيقال : أم ولده ، وهو الذي يثبت لها الحرية ، قال عليه الصلاة والسلام : " أعتقها ولدها " ، ولم يثبت النسب فلا يثبت التبع . وأما حرية الولد فلأنها تثبت بحكم الجزئية ، وصار كما لو أعتقه بالعتق .

قال : ( ولا يجوز إخراجها من ملكه إلا بالعتق ) فلا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تمليكها بوجه ما . والأصل في ذلك ما روى محمد بن الحسن بإسناده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق أمهات الأولاد من جميع المال ، وقال : لا يعرن ولا يبعن " ، وعن عمر رضي الله عنه أنه كان ينادي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن بيع أمهات الأولاد حرام ، ولا رق عليها بعد موت مولاها ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فحل محل الإجماع . وعن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام [ ص: 274 ] قال حين ولدت أم إبراهيم : " أعتقها ولدها " . وعن سعيد بن المسيب : " أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بعتق أمهات الأولاد ، ولا يسعين في الدين ، ولا يجعلن من الثلث " . وروى عبيدة السلماني قال : قال علي بن أبي طالب : اجتمع رأيي ورأي عمر في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتق أمهات الأولاد ، ثم رأيت بعد أن يبعن في الدين ، فقال عبيدة السلماني : رأيك ورأي عمر في جماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة ، قال علي رضي الله عنه : إن السلماني لفقيه ، ورجع عن ذلك .

قال : ( وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وكتابتها ) لأن الملك قائم فيها كالمدبرة ، فإن كل واحد منهما عتق معلق بالموت ، والكتابة تعجيل العتق على ما بيناه في المدبر ، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفارق مارية بعد ما ولدت .

قال : ( وتعتق بعد موته من جميع المال ، ولا تسعى في ديونه ) لما تقدم من الأحاديث ، ( وحكم ولدها من غيره بعد الاستيلاد حكمها ) لما تقدم أن الحكم المستقر في الأم يسري إلى الولد . قال : ( وإذا أسلمت أم ولد النصراني سعت في قيمتها وهي كالمكاتبة ) لا تعتق حتى تؤدي . وقال زفر : تعتق للحال والسعاية دين عليها ، لأن زوال رقه عنها واجب بالإسلام إما بالبيع أو بالإعتاق ، وقد تعذر البيع بالاستيلاد فتعين العتق . ولنا أن ما قلناه نظر لهما ، لأن ذل الرق يندفع عنها بجعلها مكاتبة لأنها تصير حرة يدا ، ويندفع الضرر عن الذمي فتسعى في الأداء لتنال الحرية ، ولو قلنا بعتقها في الحال وهي معسرة تتوانى عن الاكتساب والأداء إلى الذمي فيتضرر ، وهي وإن لم تكن متقومة فهي محترمة وهو يكفي للضمان ، كما إذا عفا أحد الشركاء عن القصاص يجب المال للباقين ، وهذا إنما يجب عليها إذا عرض عليه الإسلام فأبى حتى يجب زوال ملكه عنها ، أما إذا أسلم فهي أم ولده على حالها كما قلنا في النكاح .

( ولو مات سيدها عتقت بلا سعاية ) لأنها أم ولد . قال : ( ولو تزوج أمة غيره فجاءت بولد [ ص: 275 ] ثم ملكها صارت أم ولد له ) ، وكذا لو استولدها بملك يمين ثم استحقت ثم عادت إلى ملكه فهي أم ولد له ، لأن نسب الولد ثابت منه فتثبت أمية الولد لأنها تتبعه على ما مر ، ولأن الاستيلاد حرية تتعلق بثبوت النسب ، فإذا جاز أن يثبت النسب في غير الملك جاز أن يثبت ما يتعلق به أيضا تبعا له ، بخلاف ما إذا ولدت منه من زنا على ما بينا .

قال : ( ولو وطئ جارية ابنه فولدت وادعاه ثبت نسبه وصارت أم ولد له ، وعليه قيمتها دون عقرها وقيمة ولدها ) لأن للأب أن يتملك مال ابنه للحاجة إلى البقاء للمأكل والمشرب ، فله أن يتملك جاريته للحاجة إلى صيانة مائه وبقاء نسله ، لأن كفاية الأب على ابنه لما مر في النفقات ، إلا أن حاجته إلى صيانة مائه وبقاء نسله دون حاجته إلى بقاء نفسه ، فلهذا قلنا يتملك الجارية بقيمتها ، والطعام بغير قيمة ، ويثبت له هذا الملك قبيل الاستيلاد ليثبت الاستيلاد ، ولأن المصحح للاستيلاد إما حقيقة الملك أو حقه ، ولا بد من ثبوته قبل العلوق ليلاقي ملكه فيصح الاستيلاد ، وإذا صح في ملكه لا عقر عليه ولا قيمة الولد لما أن العلوق حدث على ملكه ، ولو أن الابن زوجها من الأب فولدت منه لم تصر أم ولد لأن ماءه صار مصونا بالنكاح فلا حاجة إلى الملك ولا قيمة عليه لأنه لم يملكها ، وعليه المهر لأنه التزمه بالنكاح وولدها حر لأنه ملكه أخوه فيعتق عليه لما بيناه ، وأصله أن هذا النكاح صحيح لأنه لا ملك للأب فيها ، لأن الابن يملك فيها جميع التصرفات وطئا وبيعا وإجارة وعتقا وكتابة وغير ذلك ، والأب لا يملك شيئا من ذلك ، وأنه دليل انتفاء ملك الأب وعدم وجوب الحد على الأب بوطئها للشبهة ، وإذا انتفى ملك الأب جاز نكاحه كما إذا تزوج الابن جارية الأب .

قال : ( والجد كالأب عند انقطاع ولايته ) لأنه يقوم مقامه ومع ولايته لا ولاية للجد ، والولاية تنقطع بالكفر والرق والردة واللحاق والموت .

قال : ( جارية بين اثنين ولدت فادعاه أحدهما ثبت نسبه ) لأنه لما ثبت النسب في نصفه لمصادفته ملكه ثبت في الباقي لأنه لا يتجزأ ، لأن سببه وهو العلوق لا يتجزأ ، فإن الولد الفرد لا ينعلق من ماء رجلين وصارت أم ولد له . وهذا عندهما ظاهر ، لأن الاستيلاد لا يتجزأ ، وأما عنده فنصيبه يصير أم ولد ويتملك نصيب صاحبه لأنه قابل للملك فيكمل له [ ص: 276 ] فيصير الكل أم ولد ، ( وعليه نصف قيمتها ) لأنه تملكه ، ( و ) عليه ( نصف عقرها ) لوطئه جارية مشتركة لأن الملك يتعقب الاستيلاد حكما له ، ( ولا شيء عليه من قيمة ولدها ) لأن النسب يثبت مستندا إلى وقت العلوق ولم ينعلق شيء منه على ملك شريكه .

قال : ( وإن ادعياه معا صارت أم ولد لهما ) لصحة دعوى كل واحد منهما في نصيبه في الولد ، والاستيلاد يتبع الولد ( ويثبت نسبه منهما ) لما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى شريح في هذه الحادثة : " لبسا فلبس عليهما ، ولو بينا لبين لهما ، هو ابنهما يرثهما ويرثانه ، وهو للباقي منهما " ، وذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فكان إجماعا ، ومثله عن علي رضي الله عنه أيضا ، ولأنهما مستويان في سبب الاستحقاق وهو الملك فيستويان في الاستحقاق . وما روي من حديث المدلجي وأسامة بن زيد وفرح النبي عليه الصلاة والسلام . قلنا : لم يثبت ذلك عنده عليه الصلاة والسلام بقول القائف ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم ذلك ولكن المشركون كانوا يطعنون في نسب أسامة ، فكان قول القائف قاطعا لطعنهم ، لأنهم كانوا يعتقدونه في الجاهلية لا أنه حكم شرعي ، فلذلك فرح النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما كون النسب لا يتجزأ فتعلق به أحكام متجزئة ، فما لا يتجزأ يثبت في حق كل واحد منهما كاملا ، وما يقبله يثبت في حقهما متجزئا عملا بالدلائل بقدر الإمكان .

( وعلى كل واحد منهما نصف عقرها ) ويسقط قصاصا بما له على الآخر ، إذ لا فائدة في قبضه وإعطائه ( ويرث من كل واحد منهما كابن ) لأنه لما أقر أنه ابنه فقد أقر له بميراث ابن ، ( ويرثان منه كأب واحد ) لاستوائهما في الاستحقاق كما إذا أقاما البينة ، فإن كانت الجارية بين أب وابن فهو للأب ترجيحا لجانبه لما له من الحق في نصيب الابن كما تقدم ، وإن كانت بين مسلم وذمي فهو للمسلم ترجيحا للإسلام . وقال زفر : هما سواء في المسألتين لاستوائهما في الملك الموجب . قلنا : دعوة الأب راجحة بدليل أنه لو ادعى نسب ولد جارية الابن يصح وبالعكس لا ، والمسلم راجح بالإسلام ولأنه أنفع للصغير .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث