الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم

جزء التالي صفحة
السابق

[ 2443 ] وعن أبي سعيد نحو الحديث .

رواه مسلم (2539).

التالي السابق


و (قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة من هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ") هذا الحديث رواه مسلم من طريقين ، ذكر الأول منهما متصلا ، ثم أردف عليه سندا آخر فيه انقطاع ، ولا يعتب عليه في ذلك ، إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول ، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع . وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر إذ لم يفهم معناه ، فرده بأن قال : حديث منقطع ، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه ، ثم لو سلم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب صحيحان ، فما قوله فيه ؟! وقد رفع الصحابي - أعني : ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله : أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن ، بل : قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه ، فقال : " ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة ، وهي حية يومئذ " وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر ، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السقاية - حيث فسره : بنقص العمر ، وحاصل ما تضمنه هذا الحديث : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر قبل موته [ ص: 490 ] بشهر : أن كل من كان من بني آدم موجودا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مائة سنة ، وإنما قلنا : إنه أراد بني آدم ، لأنه قال : " من نفس منفوسة " ، ولا يتناول هذا الملائكة ، ولا الجن ، إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك ، ولا الحيوان غير العاقل ، إذ قال فيه : " ممن هو على ظهر الأرض أحد " . وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل ، فتعين : أن المراد بنو آدم ، وقد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول : إن الخضر حي بعموم : " ما من نفس منفوسة " فإنه من أنص صيغ العموم على الاستغراق ، وهذا لا حجة فيه يقينية ، لأن العموم - وإن كان مؤكدا للاستغراق - فليس نصا فيه ، بل : هو قابل للتخصيص ، لا سيما والخضر وإن كان حيا - كما يقال - فليس مشاهدا للناس ، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا ، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى عليه السلام ، فلأنه لم يمت ، ولم يقتل ، فهو حي بنص القرآن ، ومعناه . وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي ، فإن قيل : إنما لم يتناول هذا العموم عيسى ، لأن الله قد رفعه إليه ، فليس هو على ظهر الأرض ؛ لأن المراد بذلك العموم : من كان من النفوس على ظهر الأرض ، كما نص عليه في حديث ابن عمر . فالجواب : يمنع عموم الأرض المذكورة فيه ، فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام ، وهي محتملة للعهد والجنس ، وهي هاهنا للعهد ، لأن الأرض التي يخاطبون بها ، ويخبرون عن الكون فيها : هي أرض العرب ، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبا ، دون أرض يأجوج ومأجوج ، وأقاصي جزائر الهند والسند ، مما لا يقرع السمع اسمه ، ولا يعلم علمه ، ولا جواب عن حديث الدجال . وعلى الجملة : فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم . وسيأتي القول على قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " في آخر كتاب الفتن .

[ ص: 491 ] و (قول ابن عمر : فوهل الناس في مقالة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ) الرواية الصحيحة : وهل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد : يريد : غلط ، يقال : وهل إلى الشيء يهل ، ووهم إلى الشيء يهم ، وهلا ووهما . قال أبو زيد : وهل في الشيء ، وعن الشيء يوهل وهلا : إذا غلط فيه وسها ، ووهلت إليه بالفتح - وهلا : إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره .

[ ص: 492 ] قلت : وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في وهل الذي في هذا الحديث : كسر الهاء ، لأنه هو الذي يتعدى بـ (في) ، ويشهد له المعنى ، وأما وهل بالفتح فيتعدى بـ (إلى) ، والمعنيان متقاربان ، ويمكن أن يقال : إن وهل في الشيء فيه لغتان : الفتح والكسر . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث