الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

4613 [ 2447 ] وعن أسير بن جابر قال : كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن ، سألهم : أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال : أنت أويس بن عامر؟ قال : نعم. قال : من مراد ، ثم من قرن؟ قال : نعم. قال : فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال : نعم . قال : لك والدة؟ قال : نعم . قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم ، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فاستغفر لي، فاستغفر له، فقال له عمر : أين تريد؟ قال : الكوفة . قال : ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال : أكون في غبراء الناس أحب إلي. قال : فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس . قال : تركته رث البيت قليل المتاع، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فأتى أويسا . فقال : استغفر لي، قال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ، فاستغفر لي ، قال : استغفر لي، قال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ، فاستغفر لي، قال : لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له، ففطن له الناس فانطلق على وجهه، قال أسير : وكسوته بردة، فكان كلما رآه إنسان قال : من أين لأويس هذه البردة؟

رواه مسلم (2542) (225).

التالي السابق


و (قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ") لا يفهم منه أنه أفضل من [ ص: 497 ] عمر ، ولا أن عمر غير مغفور له ، للإجماع على أن عمر - رضي الله عنه - أفضل منه ، ولأنه تابعي ، والصحابي أفضل من التابعي ، على ما بيناه غير مرة ، وإنما مضمون ذلك : الإخبار بأن أويسا ممن يستجاب دعاؤه . وإرشاد عمر إلى الازدياد من الخير ، واغتنام دعوة من ترتجى إجابته ، وهذا نحو مما أمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به من الدعاء له ، والصلاة عليه ، وسؤال الوسيلة له ، وإن كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل ولد آدم . ويروى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لرجل خرج ليعتمر : " أشركنا في دعائك يا أخي " .

و (قوله : " في أمداد أهل اليمن ") أي : في جماعاتهم ، جمع مدد ، وذلك أنهم يمد بهم القوم الذين يقدمون عليهم .

و (قوله : أحدث عهدا ) أي : أقرب ، وعهدا : منصوب على التمييز ، كقوله تعالى : هم أحسن أثاثا ورئيا [مريم: 74].

و (قوله : أكون في غبراء الناس ) الرواية الجيدة فيه : بفتح الغين المعجمة ، وسكون الباء الموحدة ، وهمزة ممدودة ، ويعني به : فقراء الناس وضعفاءهم . والغبراء : الأرض ، ويقال للفقراء : بنو غبراء ، كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها ، كما قال تعالى : أو مسكينا ذا متربة [البلد: 16] أي : ذا حاجة ألصقته بالتراب ، [ ص: 498 ] ومن هذا سموا الفقر : أبا متربة . وقد روي ذلك اللفظ في غبر الناس - بضم الغين وتشديد الباء - جمع غابر ، نحو : شاهد وشهد ، ويعني به : بقايا الناس ومتأخريهم ، وهم ضعفاء الناس ، لأن وجوه الناس ورؤساءهم يتقدمون للأمور ، وينهضون بها ، ويتفاوضون فيها ، ويبقى الضعفاء لا يلتفت إليهم ، ولا يؤبه بهم ، فأراد أويس أن يكون خاملا بحيث يبقى لا يلتفت إليه ، طالبا السلامة ، وظافرا بالغنيمة .

وحديث أويس هذا دليل من أدلة صحة صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإنه أخبر عنه باسمه ، ونسبه ، وصفته ، وعلامته ، وأنه يجتمع بعمر رضي الله عنه ، وذلك كله من باب الإخبار بالغيب الواقع على نحو ما أخبر به من غير ريب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث