الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة

أما قوله تعالى : ( قالوا أتتخذنا هزوا ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرئ : " هزوا " بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤا وكفء وقرأ حفص : ( هزوا ) بالضمتين والواو وكذلك كفوا .

المسألة الثانية : قال القفال قوله تعالى : ( قالوا أتتخذنا ) استفهام على معنى الإنكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال كان هذا في علم الله أي في معلومه ، والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى : ( فاتخذتموهم سخريا ) [المؤمنون : 110] قال صاحب "الكشاف" : " أتتخذنا هزءا " أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءا بنا ، والهزء نفسه فرط الاستهزاء .

المسألة الثالثة : القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى : اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة ، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم ؛ لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حيا فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء ، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حيا بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء .

[ ص: 109 ]

المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام : أتتخذنا هزءا لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت ، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى ، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي ، وذلك أيضا كفر . ومن الناس من قال : إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين :

الأول : أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة ، وذلك لا يوجب الكفر .

الثاني : أن معنى قوله تعالى : ( أتتخذنا هزوا ) أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء .

أما قوله تعالى : ( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) ففيه وجوه :

أحدها : أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ، ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء ، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه ، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى ، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازا . هذا هو الوجه الأقوى .

وثانيها : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم ، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء .

وثالثها : قال بعضهم : إن نفس الهزء قد يسمى جهلا وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللغة : إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم .

واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى : ( قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ) [البقرة : 14 ] ، ( الله يستهزئ بهم ) [البقرة : 15 ]

واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة :

السؤال الأول : ما حكى الله تعالى عنهم أنهم : ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) فأجاب موسى عليه السلام بقوله : ( إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ) واعلم أن في الآية أبحاثا :

الأول : أنا إذا قلنا : إن قوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم ؛ لأن المأمور به لما كان مجملا حسن الاستفسار والاستعلام . أما على قول من يقول : إنه في أصل اللغة للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار ؟ وفيه وجوه :

أحدها : أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حيا تعجبوا من أمر تلك البقرة ، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة ، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص ، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك ؛ لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة ، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام .

وثانيها : لعل القوم أرادوا بقرة ، أي بقرة كانت ، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة ، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة ، فلما حان وقت المنازعة فيه ، رجعوا عند ذلك إلى موسى .

وثالثها : أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه ، فسألوا طلبا لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات ، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة .

[ ص: 110 ]

البحث الثاني : أن سؤال "ما هي" طلب لتعريف الماهية والحقيقة ؛ لأن "ما" سؤال ، و "هي" إشارة إلى الحقيقة ، فما هي لا بد وأن يكون طلبا للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها ، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقا لهذا السؤال .

والجواب عنه : أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم : ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض ; فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جوابا عن هذا السؤال .

البحث الثالث : قال صاحب "الكشاف" : الفارض : المسنة وسميت فارضا لأنها فرضت سنها ، أي قطعتها وبلغت آخرها ، والبكر : الفتية ، والعوان : النصف .

قال القاضي : أما البكر ، فقيل : إنها الصغيرة وقيل : ما لم تلد ، وقيل : إنها التي ولدت مرة واحدة ، قال المفضل بن سلمة [الضبي] : إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطنا واحدا . قال القفال : البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال : بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل ، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل ، وقال بعضهم : العوان التي ولدت بطنا بعد بطن . وحرب عوان : إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة ، وحاجة عوان : إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة .

البحث الرابع : احتج العلماء بقوله تعالى : ( عوان بين ذلك ) على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وهاهنا سؤالان :

الأول : لفظة "بين" تقتضي شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله على ذلك ؟ .

الجواب : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر .

السؤال الثاني : كيف جاز أن يشار بلفظة : "ذلك" إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر ؟ .

الجواب : جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام .

أما قوله تعالى : ( فافعلوا ما تؤمرون ) ففيه تأويلان :

الأول : فافعلوا ما تؤمرون به من قولك : أمرتك الخير .

والثاني : أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير . واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها ، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعد ما وصلت إلى حالة الكمال ، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال ، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال . ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ) واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها : ( صفراء فاقع لونها ) ، والفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قان وأخضر ناضر ، وهاهنا سؤالان :

السؤال الأول : "فاقع" هاهنا واقع خبرا عن اللون فكيف يقع تأكيدا لصفراء ؟ .

الجواب : لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع تأكيدا لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها .

[ ص: 111 ]

السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟ .

الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون . وعن وهب : إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث