الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في النذر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 327 ] فصل

[ النذر ]

ولو نذر نذرا مطلقا فعليه الوفاء به ، وكذلك إن علقه بشرط فوجد وعن أبي حنيفة رحمه الله آخرا : أنه يجزئه - كفارة يمين إذا كان شرطا لا يريد وجوده ، ولو نذر ذبح ولده أو نحره لزمه ذبح شاة .

التالي السابق


فصل

[ النذر ]

النذر قربة مشروعة ، أما كونه قربة فلما يلازمه من القرب كالصوم والصلاة والحج والعتق والصدقة ونحوها . وأما شرعيته فللأوامر الواردة بإيفائه ، قال تعالى : ( وليوفوا نذورهم ) وقال صلى الله عليه وسلم : " ف بنذرك " وقال عليه الصلاة والسلام : " من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى " ، [ ص: 328 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " إلى غيرها من النصوص ، وعلى شرعيته الإجماع ، ولا يصح إلا بقربة لله تعالى من جنسها واجب كالقرب المذكورة ، ولا يصح بما ليس لله تعالى من جنسها واجب كالتسبيح والتحميد وعيادة المرضى وتكفين الميت وتشييع الجنازة وبناء المساجد ونحوها . والأصل فيه أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى ، إذ لا ولاية له على الإيجاب ابتداء ، وإنما صححنا إيجابه في مثل ما أوجبه الله تعالى تحصيلا للمصلحة المتعلقة بالنذر ، ولا يصح النذر بمعصية . قال صلى الله عليه وسلم : " لا نذر في معصية الله تعالى " .

قال : ( ولو نذر نذرا مطلقا ) أي بغير شرط ولا تعليق كقوله : علي صوم شهر أو نحوه ( فعليه الوفاء به ) لما تقدم ( وكذلك إن علقه بشرط فوجد ) لأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده ، ولأن النذر موجود نظرا إلى الجزاء ، والجزاء هو الأصل والشرط تبع ، واعتبار الأصل أولى فصار كالمنجز .

( وعن أبي حنيفة رحمه الله آخرا : أنه يجزئه كفارة يمين إذا كان شرطا لا يريد وجوده ) كقوله : إن كلمت فلانا أو دخلت الدار فعلي صوم سنة أو صدقة ما أملكه ، وهو قول محمد رحمه الله ، واختاره بعض المشايخ للبلوى والضرورة ، ولو أدى ما التزمه يخرج عن العهدة أيضا لأن فيه معنى اليمين وهو المنع ، وهو نذر لفظا فيختار أي الجهتين شاء; ولو كان شرطا يريد وجوده كقوله : إن شفى الله مريضي أو قضى ديني أو قدمت من سفري لا يجزيه إلا الوفاء بما سمى لأنه نذر بصيغته وليس فيه معنى اليمين .

ولو قال : إن فعلت كذا فألف درهم من مالي صدقة ففعل وليس في ملكه إلا مائة درهم لا يلزمه غيرها ، لأن النذر بما لا يملك لا يصح; ولو نذر صوم الأبد فضعف لاشتغاله بالمعيشة أفطر لئلا تختل فرائضه ويفدي كالشيخ الفاني في شهر رمضان; ولو نذر عددا من الحج يعلم أنه [ ص: 329 ] لا يمكنه ; لا يأمر غيره بالحج عنه لأنه لا يعرف قدر الفائت ، بخلاف الصوم .

قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو قال لله علي إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين لا يجزئه إلا ما يجزئ في كفارة اليمين لما تقدم أنه معتبر بإيجاب الله تعالى; وقوله : لله علي طعام مساكين ، كقوله إطعام ، لأن الطعام اسم عين وإنما يصح إيجاب الفعل . وقال أبو يوسف : لو قال : لله علي طعام أطعم إن شاء ولو لقمة .

ولو قال : علي نذر ونوى الصوم أو الصدقة دون العدد لزمه في الصوم ثلاثة أيام ، وفي الصدقة إطعام عشرة مساكين اعتبارا بالواجب في كفارة اليمين إذ هو الأقل فكان متيقنا; ولو نذرت صوم أيام حيضها أو قال : لله علي أن أصوم غدا فحاضت فهو باطل عند محمد وزفر رحمهما الله ، لأنها أضافت الصوم إلى وقت لا يتصور فيه . وقال أبو يوسف رحمه الله : يقضي في المسألة الثانية ، لأن الإيجاب صدر صحيحا في حال لا ينافي الصوم ولا إضافته إلى زمان ينافيه ، إذ الصوم متصور فيه والعجز بعارض محتمل كالمرض فتقضيه وصار كما إذا نذرت صوم شهر يلزمها قضاء أيام حيضها لأنه لا يجوز خلو الشهر عن الحيض فصح الإيجاب .

ولو نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم ليلا لا شيء عليه ، وكذا لو قدم بعد الزوال أو قبله وقد أكل عند محمد ، لأن المعلق بالشرط كالمتكلم به عند وجوده . وقال أبو يوسف : يقضي في الفصلين الآخرين كما إذا نذرت صوم غد فحاضت ; ولو قدم في رمضان أو في يوم الفطر قضاه ولا يجزئه صومه ، لأن الإيجاب خرج صحيحا .

ولو نذر صلاة ركعة أو صوم نصف يوم صلى ركعتين وصام يوما ، لأن الركعة صلاة وقربة في الجملة لاشتمالها على ذكر الله تعالى ، والقراءة وغيرها كالوتر عند بعضهم ، وصوم نصف يوم قربة كإمساك غداة الأضحى فصح التزامه ثم يلزمه حفظه وإتمامه ضرورة عدم التجزي شرعا ، ولو نذر ثلاث ركعات لزمه أربع عند أبي يوسف وركعتان عند زفر ; ولو نذر أن يصلي بغير وضوء فليس بشيء . وعن أبي يوسف يلزمه بوضوء لأن إيجاب أصل الصلاة صحيح وذكر الوصف باطل .

ولو نذر أن يصلي بغير قراءة أو عريانا صح خلافا لزفر ولزمته بقراءة مستورا ، لأن الصلاة كما ذكر قربة في الجملة كالأمي ومن لا يقدر على ثوب فصح الإيجاب .

قال : ( ولو نذر ذبح ولده أو نحره لزمه ذبح شاة ) عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، [ ص: 330 ] وكذا النذر بذبح نفسه أو عبده عند محمد ; وفي الوالد والوالدة عن أبي حنيفة روايتان الأصح عدم الصحة . وقال أبو يوسف وزفر . لا يصح شيء من ذلك لأنه معصية فلا يصح . ولهما في الولد مذهب جماعة من الصحابة كعلي وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم ، ومثله لا يعرف قياسا فيكون سماعا ، ولأن إيجاب ذبح الولد عبارة عن إيجاب ذبح الشاة ، حتى لو نذر ذبحه بمكة يجب عليه ذبح الشاة بالحرم . بيانه قصة الذبيح عليه السلام ، فإن الله تعالى أوجب على الخليل عليه السلام ذبح ولده بقوله : ( افعل ما تؤمر ) وأمره بذبح الشاة حيث قال : ( قد صدقت الرؤيا ) فيكون كذلك في شريعتنا ، إما لقوله تعالى : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) أو لأن شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يثبت النسخ ، وله نظائر : منها إيجاب الشيء إلى بيت الله تعالى عبارة عن حج أو عمرة ، وإيجاب الهدي عبارة عن إيجاب شاة ومثله كثير ، وإذا كان نذر ذبح الولد عبارة عن ذبح شاة لا يكون معصية بل قربة حتى قال الأسبيجابي وغيره من المشايخ : إن أراد عين الذبح وعرف أنه معصية لا يصح ونظيره الصوم في حق الشيخ الفاني معصية لإفضائه إلى إهلاكه ، ويصح نذره بالصوم وعليه الفدية ، وجعل ذلك التزاما للفدية كذا هذا . ولمحمد في النفس والعبد أن ولايته عليهما فوق ولايته على ولده فكان أولى بالجواز .

ولأبي حنيفة أن وجوب الشاة على خلاف القياس عرفناه استدلالا بقصة الخليل عليه السلام ، وإنما وردت في الولد فيقتصر عليه ، ولو نذر بلفظ القتل لا يلزمه شيء بالإجماع ، لأن النص ورد بلفظ الذبح والنحر مثله ، ولا كذلك القتل ، ولأن الذبح والنحر وردا في القرآن على وجه القربة والتعبد ، والقتل لم يرد إلا على وجه العقوبة والانتقام والنهي ، ولأنه لو نذر ذبح الشاة بلفظ القتل لا يصح فهذا أولى ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث