الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المعتكف يخرجه السلطان لخصومة أو لغير ذلك كارها

في المعتكف يخرجه السلطان لخصومة أو لغير ذلك كارها قال ابن نافع وقال مالك في المعتكف : إن أخرجه قاض أو إمام لخصومة أو لغير ذلك كارها ، فأحب إلي أن يستأنف اعتكافه وإن بنى على ما مضى من اعتكافه أجزأ ذلك عنه ، ولا ينبغي للقاضي ولا للإمام أن يخرج معتكفا لخصومة ولا لغير ذلك حتى يفرغ من اعتكافه ، إلا أن يتبين للإمام أنه إنما اعتكف للواذ فرارا من الحق فيرى في ذلك رأيه .

قال ابن نافع : وسئل مالك عن المعتكف أيدخل الأسواق ليشتري ما يصلحه من عشائه ومما لا بد له منه ؟ فقال : لا يخرج المعتكف من المسجد ليشتري طعاما ولا غير ذلك ، ولكنه يعد قبل أن يدخل ما يصلحه .

قال : ولا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف ولا يعتكف إلا من كان مكفيا حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان لغائط أو لبول ، فإن اعتكف وهو غير مكفي فلا أرى بذلك بأسا أن يخرج يشتري طعامه ثم يرجع ولا يقف مع أحد ولا يحدثه .

قال مالك : والمعتكف مشتغل باعتكافه ولا يعرض لغيره مما يشغل به نفسه من التجارات أو غيرها ، ولا بأس أن يأمر المعتكف بضيعته وضيعة أهله ومصلحته وبيع ماله أو شيء لا يشغله في نفسه ، كل ذلك لا بأس به إذا كان خفيفا أن يأمر بذلك من يكفيه إياه .

قال مالك : ولم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أحدا من سلف هذه الأمة ولا ابن المسيب ، ولا أحدا من التابعين ولا أحدا ممن أدركت ممن أقتدي به اعتكف ، ولقد كان ابن عمر من المجتهدين وأقام زمانا طويلا فلم يبلغني أنه اعتكف ، إلا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ولست أرى الاعتكاف حراما فقيل لم تراهم تركوه ؟ فقال : أراه لشدة الاعتكاف عليهم ; لأن ليله ونهاره سواء . وقد { نهى رسول الله عن الوصال ، فقالوا له إنك تواصل ؟ فقال : إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني } .

وقد قالت عائشة حين ذكرت القبلة عن رسول الله وهو صائم فقالت : وأيكم أملك لإربه من رسول الله ، وأنهم لم يكونوا يقوون من ذلك على ما كان يقوى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال مالك : أكره للمعتكف أن يخرج لحاجة الإنسان في بيته ، ولكن ليتخذ مخرجا في غير بيته وداره قريبا من المسجد ، وذلك أن خروجه إلى بيته ذريعة إلى النظر إلى امرأته وأهله وإلى النظر في ضيعته ليشتغل بهم ، وقد كان من مضى ممن كان يعتكف ممن يقتدى به يتخذ بيتا قريبا من المسجد سوى بيته ، فأما الرجل [ ص: 300 ] القريب المجتاز فإنه إذا اعتكف خرج لحاجته حيث تيسر عليه ، ولا أحب له أن يتباعد ، وكان أبو بكر بن عبد الرحمن اعتكف فكان يذهب لحاجته تحت سقيفة في حجرة مغلقة في دار خالد بن الوليد ، ثم لا يرجع حتى يشهد العيد يوم الفطر مع المسلمين .

قال : وبلغني ذلك عن بعض أهل الفضل الذين مضوا ، أنهم لا يرجعون حتى يشهدوا العيد مع الناس وهو الذي أرى ، فقيل لمالك : أيذهب إلى بيته فيلبس ثيابه ؟

قال : لا ولكن يؤتى بثيابه إلى المسجد .

قال ابن وهب قال مالك : وبلغني أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان حين يعتكف في وسط الشهر يرجع إلى أهله حين يمسي من اعتكافه } ، قال : وإنما يجلس حتى يصبح من اعتكف في العشر الأواخر ، وتلك السنة أن يشهد العيد من مكانه ثم يرجع إلى أهله .

قال : وقال مالك في حديث أبي سعيد الخدري في الاعتكاف : إن ذلك يعجبني وعلى ذلك رأيت أمر الناس ، أن يدخل الذي يريد الاعتكاف في العشر الأواخر حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين ويصلي المغرب فيه ، ثم يقيم فيخرج حتى يفرغ من العيد إلى أهله وذلك أحب الأمر إلي فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث