الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الدليل على دخول المؤمن الفاسق الجنة بفضل الله

الدليل على دخول المؤمن الفاسق الجنة بفضل الله

وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ، حسنة أو سيئة ، قليلا أو كثيرا» متفق عليه .

قال في الترجمة : هذا الحديث صريح في مذهب أهل السنة والجماعة . انتهى .

يعني : يدل على أن الفساق يعفى عنهم ، ويغفر لهم ، ويدخلون الجنة بفضل الله ورحمته .

قلت : ولولا ذلك ، لم ينج أحد قط من النار; فإن الحال كما قيل :


من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط



بل آل الأمر - منذ زمن طويل - إلى قلة أهل التقوى ، وكثرة أصحاب الفتوى ، [ ص: 135 ] فإن لم يغفر الله لعباده ، وإمائه المذنبين والمذنبات ، فمن ذا الذي يغفر لهم ويعفو عنهم ! ؟

وهذا الكلام فيمن تصدر منه الآثام بشآمة الأعمال ، وأمر النفس ، وغلبة الهوى ، وإغواء الأبالسة ، ثم يندم ، ويتوب ، ويقلع من الذنوب ، ويخاف ويستحيي .

وأما من فسق وتمرد ، واستخف ولم يبال بشيء من الوعيدات والزواجر ، وتجرأ على الله ، فحكمه آخر ، وأمره إلى الله ، والله أعلم .

وفي الحديث : دلالة على إخلاص التوحيد ، ونفي الشرك والتنديد .

وفي الشهادة بكون المسيح عبدا له سبحانه ، وابنا لأمته ، رد على النصارى; لأنهم يقولون : إن عيسى ابن الله ، أو إنه الله .

وفي إثبات الرسالة له رد على اليهود أيضا في إنكارهم الرسالة .

قال في الترجمة : يقال للمرأة : أمة الله ، كما يقال للرجل : عبد الله; لأن الرجال كلهم عباد الله ، والنساء كلهن إماء الله . انتهى .

وأقول : ما أحب هذه الألقاب ، وما أصدقها عند أولي الألباب !! .

اللهم حققنا بهذه ، واجعل ذكراننا من عبادك الصالحين ، وإناثنا من إمائك الصالحات ، آمين يا رب العالمين .

وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ابسط يمينك فلأبايعك ، فبسط ، فقبضت يدي ، فقال : ما لك يا عمرو ؟» ، قلت : أردت أن أشترط ، قال : «تشترط ماذا ؟» ، قلت : أن يغفر لي ، قال : «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله ؟» من المظالم وغيرها ، «وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها» من الذنوب صغائرها وكبائرها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله» من المعاصي والآثام .

[ ص: 136 ] وقال السيد : هدم الإسلام لما كان قبله مطلق ، مظلمة كانت ، أو غيرها ، صغيرة أو كبيرة .

وأما الهجرة ، والحج; فإنهما لا يكفران المظالم ، ولا يقطع فيهما بغفران الكبائر التي بين العبد ومولاه .

فيحمل الحديث على هدمهما الصغائر . انتهى .

وفي الترجمة : هدم الهجرة والحج مخصوص بغير المظالم ، وورد في الحج قول بهدم المظالم أيضا ، وجاء فيه حديث أيضا . والله أعلم . انتهى .

قلت : سياق الحديث في الإسلام ، وفي الهجرة والحج واحد ، فالقول بعموم الهدم في الأول لا في الأخيرين من باب تحجرت واسعا .

أليس رحمة الله أوسع من ذلك ، لاسيما لمن أسلم ، أو هاجر ، أو حج ، تائبا نادما ، قالعا فيما يستقبل ؟

وإن كان لابد من التأويل لمثل هذا الحديث ، فالذي يستحسن أن يؤول ما ورد خلاف هذا الحديث ، لا هذا الحديث; حماية لجانب توسيع الرحمة ، ورعاية لسبقها على غضبه سبحانه .

وقد دلت على ذلك دلائل من الأحاديث الصحيحة كما دلت الأدلة على عدم عفو الكبائر وهدمها بهما مثلا ، والله أعلم رواه مسلم .

وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ، قال : قلت : يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني من النار ، قال : «لقد سألت عن عظيم» ; أي شيء عظيم ، أو سؤال عظيم ، «وإنه ليسير على من يسره الله عليه : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت» .

هذه خمسة أعمال ، إذا عمل بها أحد ممن يشهد بالشهادتين ، فالله يدخله الجنة ، ويباعده من النار .

[ ص: 137 ] ولكن الحفظ من الشرك لكمال خفائه ، ودقته ، عسير جدا ، وكذا الإتيان بسائر ما ذكر على وجه الاتباع ، يعسر جدا; فإن النقص فيها قد سرى منذ ضعف الإسلام ، وصار أهله غرباء في الأنام ، ودخلت فيها أقسام البدع والفسادات ، ولم يعصم منها إلا من رحمه الله وعصمه ، ووفقه لأسوة الكتاب والسنة ، وترك الآراء وأهواء الرجال الشديدة المنة .

ثم قال : «ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة» من إصابة سهم المعصية إلى الصائم; لمنعه الشهوات ، وسده طريق الشيطان ، «والصدقة تطفئ الخطيئة» ، وتمحو نار العصيان «كما يطفئ الماء النار» ; لقوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين [هود : 114] .

وسميت صدقة; لدلالتها على صدق دعوى الإيمان ، ومحبة الله تعالى لصاحبها ، وفيها إيصال النفع إلى الغير ، وخير الناس من ينفع الناس ، «وصلاة الرجل في جوف الليل» ; لأنها طريق لدخول الفيوض والأنوار ، وسبب لإطفاء نائرة الخطيات .


الليل للعاشقين ستر     يا ليت أوقاته تدوم

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية استشهادا بها على فضيلة صلاة الليل والصدقة ، تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، حتى بلغ : يعملون [السجدة : 16 17] .

وحاصلها : أن الله تعالى أثنى على الذين يقومون من مضاجعهم ، فيصلون في الليل ، يتركون الراحة ، ويؤثرون المحنة لرضاء الله تعالى ، وينفقون المال في سبيله .

ثم قال : «ألا أدلك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟» الذروة - بكسر الذال ، وضمها - : المكان المرتفع ، وأعلى الشيء .

والسنام - بفتح السين والنون : ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه .

[ ص: 138 ] قلت : بلى يا رسول الله ، قال : «رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد» ، ثم قال : «ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟» الملاك - بكسر الميم وفتحها - في اللغة ، وفي الرواية بكسر الميم - ، وهو ما به إحكام الشيء وتقويته .

قلت : بلى يا نبي الله ، فأخذ بلسانه فقال : «كف عليك هذا» ; أي : مما لا يعني ، فقلت : يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم ، أو على مناخرهم ، إلا حصائد ألسنتهم ؟» ; أي : محصوداتها ، شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل ، وهو من بلاغة النبوة; أي : كأن يقطع ، ولا يميز بين الرطب واليابس ، والجيد والرديء ، فكذلك لسان بعض الناس ، يتكلم بكل نوع من الكلام ، حسنا أو قبيحا . كذا في «المرقاة» .

قال في الترجمة : هذا باعتبار الأكثر والأغلب; فإن غالب البلايا التي تصيب الإنسان في الدنيا والآخرة تأتي من طريق اللسان .


مرجيه بر آدمى رسدز زيان     مه آذ آفت زبان باشد

انتهى .

قلت : وفي التنزيل الكريم : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق : 18] .

وإذا كتب كل لفظ ملفوظ به ، من كل إنسان ، وأخذ عليه ، فالهلاك أقرب من شراك نعله ، إلا من رحمه الله وحفظه من تلك الحصائد . رواه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه .

وهذا الحديث من جوامع الكلم ، وفيه من الفوائد ما لا يأتي عليه الحصر ، إن ذهبت أشرحه ، لجاء مؤلفا مستقلا ، فإن كل جملة من جمله دفتر من دفاتر الحكمة الإيمانية ، وباب وسيع من أبواب الخيرات الإحسانية . والله أعلم بمن يوفق لذلك ، ومن يحرم مما هنالك .

وعن عثمان - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من مات وهو [ ص: 139 ] يعلم أنه لا إله إلا الله» ; أي : علما يقينيا ، سواء قدر على الإقرار باللسان ، أو لم يقدر عليه ، واكتفى بالقلب ، أو جهل وجوبه ، أو لم يطالب به ، أو أتى به; إذ ليس فيه ما ينفي تلفظه . كذا في «المرقاة» .

والمراد : القول بالشهادتين ، لا بواحدة منهما ، كما هنا; لأن التوحيد لا بد له من الإقرار بالرسالة .

والكلمة الأولى عنوان للشهادة الأخرى ، وهي مشهورة شائعة ذائعة .

فلهذا قد يكتفى بذكر إحداهما ، ويكون المراد كلتيهما «دخل الجنة» ، وإن دخل النار في مقابلة المعاصي ، ويرى العذاب .

ويمكن أن يعفى عنه بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يدخل النار أصلا . قاله في الترجمة .

وعلى كل تقدير ، الحديث بشارة عظمى لمن يوحد الله بقلبه ولسانه ، أو بقلبه فقط عند عدم القدرة على اللسان والتلفظ به من خرس ، وفي حالة حضور الموت ونحوهما . رواه مسلم .

ويؤيده حديث أبي هريرة الطويل مرفوعا ، وفيه : «من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله ، مستيقنا بها قلبه ، بشره بالجنة» أخرجه مسلم أيضا ، وفي آخره : «فخلهم يعملون» يعني : أن العامة إذا بشروا بهذه البشارة يتركون العمل ، بخلاف الخاصة; فإنهم إذا بشروا ، يزدادون عملا .

وبالجملة : حاصل الحديث : أن الجنة حصولها موقوف على التوحيد وإخلاصه ، وعلى الشهادة بالرسالة .

وليس موقوفا على العمل ، حتى يظن أن من ليس له عمل صالح لا يدخل الجنة ، وإن كان مستيقنا بها قلبه .

بل مقتضى رحمة الله أن يدخل أهل التوحيد فيها على ما كان منهم من العمل .

وهذه بشارة لا تساويها نعمة ، وفضيلة رحمانية لا توازيها مزية .

[ ص: 140 ] اللهم أحينا على إخلاص التوحيد ، وأمتنا على صالح العمل ، فإن الاعتبار بالخواتيم .

وفي حديث معاذ بن جبل يرفعه : «مفاتيح الجنة : شهادة أن لا إله إلا الله» رواه أحمد ، يعني : مع: محمد رسول الله .

والمعنى : أن مفتاح كل أحد من المسلمين والمسلمات لدخول الجنة وفتح بابها ، هي هذه الشهادة .

لكن قيل لوهب بن منبه : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ قال : بلى ، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان ، فتح لك ، وإلا ، لم يفتح لك . رواه البخاري في ترجمة الباب .

ويزيده إيضاحا حديث آخر عن معاذ بن جبل مرفوعا : «من لقي الله لا يشرك به شيئا ، ويصلي الخمس ، ويصوم رمضان غفر له» ، قلت : أفلا أبشرهم يا رسول الله ؟ قال : «دعهم يعملون» رواه أحمد .

أي : يجتهدوا في زيادة العبادة ، ولا يتكلوا على هذه الأعمال ، ولا يرتكبوا قبائح الأفعال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث