الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان

أما قوله تعالى : ( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه :

أحدها : أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وأقبلوا على التمسك بما تتلو الشياطين ، فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله .

وثانيها : أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة ، فلما استعمل السحر ، فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا .

وثالثها : أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال ، فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال .

المسألة الثانية : قال الأكثرون : " الخلاق " النصيب ، قال القفال : يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق ، ومعناه التقدير ، ومنه خلق الأديم ، ومنه يقال : قدر للرجل كذا درهما رزقا على عمل كذا . وقال آخرون : الخلاق الخلاص ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :


يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم إلا سرابيل قطران وأغلال



بقي في الآية سؤال ، وهو أنه : كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله : ( ولقد علموا ) ثم نفاه عنهم في قوله : ( لو كانوا يعلمون ) والجواب من وجوه :

أحدها : أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ، وهم الذين قال الله في حقهم : ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون ، وهذا جواب الأخفش وقطرب .

وثانيها : لو سلمنا كون القوم واحدا ولكنهم علموا شيئا وجهلوا شيئا آخر ، [ ص: 202 ] علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ، ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة ، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها .

وثالثها : لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ، ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم ، بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار : " صما وبكما وعميا " إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس . ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه : صنعت ولم تصنع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث