الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم

جزء التالي صفحة
السابق

باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم

1906 حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن حدثنا حيوة بن شريح عن أبي هانئ عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم

التالي السابق


قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ، ويبقى لهم الثلث ، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ) وفي الرواية الثانية : ( ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم ) قال أهل اللغة : الإخفاق : أن يغزوا فلا يغنموا شيئا ، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ، ومنه : أخفق الصائد ، إذا لم يقع له صيد . وأما معنى الحديث : فالصواب الذي لا يجوز غيره ، أن الغزاة إذا سلموا أو [ ص: 47 ] غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم ، أو سلم ولم يغنم ، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم ، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو ، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر ، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله : ( منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) أي : يجتنيها ، فهذا الذي ذكرنا هو الصواب ، وهو ظاهر الحديث ، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا ، فتعين حمله على ما ذكرنا ، وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة ؛ منها : قول : من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة ، كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين ، وهي أفضل غنيمة ، قال : وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راوية مجهول ، ورجحوا الحديث السابق ، في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة ، فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله ، ولأنه في الصحيحين ، وهذا في مسلم خاصة ، وهذا القول باطل من أوجه : فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور ، فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ، ولم يقل إن الغنيمة تنقص الأجر أم لا ولا قال : أجره كأجر من لم يغنم ، فهو مطلق ، وهذا مقيد ، فوجب حمله عليه .

وأما قولهم : أبو هانئ مجهول ؛ فغلط فاحش ، بل هو ثقة مشهور ، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وابن وهب وخلائق من الأئمة ، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه .

وأما قولهم : إنه ليس في الصحيحين ، فليس لازما في صحة الحديث كونه في الصحيحين ولا في أحدهما .

وأما قولهم : في غنيمة بدر ، فليس في غنيمة بدر نص أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم ، وقد غنموا فقط ، وكونهم مغفورا لهم ، مرضيا عنهم ، ومن أهل الجنة ، لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه ، مع أنه شديد الفضل عظيم القدر . ومن الأقوال الباطلة ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال : لعل الذي تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها ، وهذا غلط فاحش ، إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر ، وزعم بعضهم أن المراد أن التي أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة ، فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب في ماله وأهله ، وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث ، وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معا فنقص ثوابه ، وهذا أيضا ضعيف . والصواب ما قدمناه . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث