الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 242 ] وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا .

قيل : إن هذه الآية في المنافقين ، وهم الذين كانوا يذيعون بمسائل الأمن والخوف ونحوها مما ينبغي أن يترك لأهله ، وقيل : هم ضعفاء المؤمنين ، وهما قولان فيمن سبق الحديث عنهم في الآيات التي قبلها ، وصرح ابن جرير بأنها في الطائفة التي كانت تبيت غير ما يقول لها الرسول أو تقول له ، أقول : ويجوز أن يكون الكلام في جمهور المسلمين من غير تعيين لعموم العبرة ، ومن خبر أحوال الناس يعلم أن الإذاعة بمثل أحوال الأمن والخوف لا تكون من دأب المنافقين خاصة ، بل هي مما يلغط به أكثر الناس ، وإنما تختلف النيات ، فالمنافق قد يذيع ما يذيعه لأجل الضرر ، وضعيف الإيمان قد يذيع ما يرى فيه الشبهة ، استشفاء مما في صدره من الحكة ، وأما غيرهما من عامة الناس فكثيرا ما يولعون بهذه الأمور لمحض الرغبة في ابتلاء أخبارها ، وكشف أسرارها ، أو لما عساه ينالهم منها .

فخوض العامة في السياسة وأمور الحرب والسلم ، والأمن والخوف ، أمر معتاد وهو ضار جدا إذا شغلوا به عن عملهم ، ويكون ضرره أشد إذا وقفوا على أسرار ذلك وأذاعوا به ، وهم لا يستطيعون كتمان ما يعلمون ، ولا يعرفون كنه ضرر ما يقولون ، وأضره علم جواسيس العدو بأسرار أمتهم ، وما يكون وراء ذلك ، ومثل أمر الخوف والأمن وسائر الأمور السياسية والشئون العامة ، التي تختص بالخاصة دون العامة .

قال تعالى : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، أي : إذا بلغهم خبر من أخبار سرية غازية أمنت من الأعداء بالظفر والغلبة أو خيف عليها منهم بظهورهم عليها بالفعل أو بالقوة ، أو إذا جاءهم أمر من أمور الأمن والخوف مطلقا ، سواء كان من ناحية السرايا التي تخرج إلى الحرب أو من ناحية المركز العام للسلطة ، أذاعوا به أي بثوه في الناس وأشاعوه بينهم ، يقال : أذاع الشيء وأذاع به ، قال أبو الأسود :


أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب



أي : حتى صار مشهورا يعرفه كل أحد كالنار في المكان العالي ، أو كأنه نار في رأس علم ، والثقوب والثقاب العيدان التي تورى بها النار ، ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة ، وهو أبلغ من أذاعوه كما قال الزمخشري .

وقال الأستاذ الإمام : أي أنهم من الطيش والخفة [ ص: 243 ] بحيث يستفزهم كل خبر عن العدو يصل إليهم فيطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس ، وما كان ينبغي أن تشيع في العامة أخبار الحرب وأسرارها ، ولا أن تخوض العامة في السياسة فإن ذلك يشغلها بما يضر ولا ينفع ، يضرهم أنفسهم بما يشغلهم عن شئونهم الخاصة ، ويضر الأمة والدولة بما يفسد عليها من أمر المصلحة العامة اهـ ، وهو مبني على رأيه في كون هذه الآيات في ضعفاء المسلمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث