الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

السبب الثالث : العتق ، وفي الجواهر : إذا أعتقت تحت عبد فلها الخيار ، وقاله الأئمة ، فإن عتق بعضها بتلا أو كلها لكن بتدبير أو كتابة ، أو صارت أم ولد فلا ; لأن سبب خيارها عدم اتصافها بالرق فلم يكن العبد كفئا لها ، وإن عتقت تحت حر فلا ، وقاله ( ش ) ، وابن حنبل لحصول المساواة ، وأصله ما في أبي داود ، قال عليه السلام : ( أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها ) ، وفي الموطأ أن بريرة عتقت فخيرها - عليه السلام - فاختارت نفسها فقال لها عليه السلام : ( لو راجعته ؟ ) فقالت : يا رسول الله ، بأمر منك ؟ فقال : ( لا ، إنما أنا شفيع ) ، فقالت : لا حاجة لي به .

قال اللخمي : قال ابن عباس : كان زوجها عبدا يقال له : مغيث ، وقال الأسود : كان حرا ، قال البخاري : قول الأسود منقطع ، وقول ابن عباس صحيح ، وقيل : لها الخيار مع الحر ; لأن العلة كونها مجبورة على النكاح فتختار عند زوال الرق ، فإن عتقت من طلاق رجعي فلها الخيار ، قال : ولو قيل بمنعها من الطلاق إذا قال الزوج أنا لا أرتجع كان حسنا ، وينظر السلطان للصغيرة في المصلحة ، وكذلك السفيهة أن لا تبادر لاختيار نفسها ; لأن لها عصمة نفسها كالامتناع من النكاح ابتداء ، ورضاها بالمقام لا يلزمها على قول ابن القاسم إذا لم يكن نظرا لعدم اعتبار تصرفها ، ويلزمها عند أشهب ; لأنه ليس من باب المال ، والسفيه يصح تصرفه في العبادات ، وغيرها .

[ ص: 442 ] فرع

قال : فلو رفعها الزوج عند العتق ، وقال : إما تختاريني أو الطلاق ، فقالت : أنظر ، وأستشير ، فالقول قولها ، وقاله ( ش ) ، وابن حنبل ، وقال ( ح ) : خيارها يختص بمجلس العلم ، لنا قوله عليه السلام : ( فهي بالخيار ما لم يطأها ) الحديث المتقدم ، واستحسن أن تؤخر ثلاثة أيام ، فإن طال ذلك وطلبت بالنفقة عن الماضي لم يكن لها شيء لمنعها نفسها .

فرع

قال في كتاب التمليك : إذا قال : إن لم أبعك إلى السنة فأنت حرة ، فقالت : إن خنت فقد اخترت نفسي ، قال ابن القاسم : لا بد من الاستئناف ; لأن التصرف الأول عدم وجود السبب ، كإسقاط الشفعة قبل البيع ، والقسم قبل التزويج ، والإبراء قبل موت الموروث ، وقال أصبغ : يلزم ، واتفقا إذا قال : لامرأته إن غبت عنك إلى سنة فأمرك بيدك ، فقالت : إن فعلت فقد اخترت أنه لازم .

فرع

في الجواهر : إذا عتقت ثم عتق الزوج بتلا قبل اختيارها ، فلا خيار لها لحصول المساواة .

[ ص: 443 ] فرع

قال : فإن اختارت قبل البناء فلا صداق لها ، وقاله الأئمة ، ويرده السيد ; لأن الفسخ من قبلها ، فإن كان معدما : فهل يسقط خيارها ; لأن ثبوته يؤدي إلى إسقاطه ببطلان العتق به من الصداق ، أو يثبت ويباع في الصداق لوقوع ذلك تبعا إذ يثبت ولا يباع ; لأنه دين طارئ باختيارها ، فلا يرد العتق المتقدم عليه ؟ ثلاثة أقوال ، ولها المسمى بعد البناء ، وقاله ( ش ) خلاف قوله في العيوب بصداق المثل ، ويتبعها كمالها ، إلا أن يكون السيد قبضه أو اشترطه .

فرع

قال : واختيارها طلاق لا فسخ كالرد بالعيب ، والإعسار بالنفقة ، وقال الأئمة : فسخ كالبيع .

قاعدة : شرع الله تعالى الأحكام ، وشرع لكل حكم سببا لثبوته وسببا لنفيه إذا ثبت ، وشرع في أسباب الأملاك البيع ، والهبة ، والوصية ، وغيرها . وجعل من جملة أسبابها حوزها من غير أمر زائد في المباحات التي لم يتقدم فيها ملك ، ولما شرع حوزها سببا لثبوت الملك شرع تركها والإعراض عنها سببا في الانتفاء ، كالمطروح من تافه الثمار ، وسائر المتمولات ، والإقالة على القول بأنها ليست بيعا ، فإنها إبطال للملك بمجرد الإعراض ، ولم يشرع الحوز سببا مستقلا في النكاح لخطره ، وعظم رتبته فكذلك لا يشرع الإعراض عنه سببا لعدمه تسوية بين البابين ، بل لا بد [ ص: 444 ] من سبب شرعي غير الإعراض وهو الطلاق ، فلا يبطل نكاح صحيح إلا بطلاق لتحل للثاني يقينا ، قال : فإن مضت بأكثر من طلقة ففي لزوم الزائد ; لأن الفراق بيدها ، كالزوج ، أو الاقتصار على الواحدة لحصول المقصود بها ، والأصل : عدم تصرفها في الطلاق ؟ روايتان في الكتاب : والأول رجع إليه مالك ، وفي الكتاب : الواحدة بائنة ; لأن كل طلاق لا يندفع الضرر إلا به فهو بائن ، إلا طلاق المعسر وما في معناه ، وروي عنه : إن عتق له الرجعة كالمعسر ، قال : وفي الكتاب : يحال بينهما حتى تختار لتزلزل سبب الإباحة ، وإن قالت : اخترت ولايته لها ، فهي طلقة بائنة ; لتعينها بتعين سببها الذي هو العتق ، فلا تحتاج إلى نية ، ولو بلغها العتق بعد زمان وهو يطؤها ، فلها الخيار عند العلم وبعده ما لم يطأ ، وإن منعت نفسها سنة ، وقالت : لم أسكت رضا ، صدقت بغير يمين كالتمليك .

فرع

في الجواهر : قال يؤخر اختيارها عن زمن الحيض إن أعتقت فيه ; لتحريم الطلاق فيه ، فإن عتق قبل الطهر ، قال ابن القاسم : هي على خيارها ، قال اللخمي : لا خيار لها لحصول التسوية ، فلو اختارت فيه فعلى القول بأنها بائنة يمضى الطلاق ، وقال بعض المتأخرين : وعلى القول بالرجعة ينبغي أن لا يمضى ; لأن حكم الرجعة أن يجبر الزوج على الرجعة إذا أوقع في الحيض .

فرع

قال : يبطل خيارها بالتصريح بالإسقاط أو بفعل ما يدل على الإسقاط ، كالتمكين من الوطء عالمة ، فإن جهلت الحكم خاصة فالمشهور سقوط خيارها لظاهر الحديث المتقدم ، ولأن الأحكام تتبع أسبابها ، وإن جهل [ ص: 445 ] المكلف ، وقاله ابن حنبل ، وخالف القاضي أبو الحسن ; لأن العتق سبب خيارها فالأصل استصحاب حكمه .

فرع

قال : إذا أعتقت وهو غائب فاختارت ثم ثبت تقدم عتقه ، فإن تزوجت أجراه بعض المتأخرين على الثلاثة الأقوال في امرأة المفقود .

فرع

قال : فإن اختلف في المسيس وأنكرت الخلوة ، فالقول قولها مع يمينها ، وإلا فالقول قوله مع يمينه عملا بالظاهر ، فإن تصادقا عليه ، واختلفا في الإكراه فالقول قوله ; لأن الأصل عدمه ، فإن تصادقا على المسيس طوعا ، واختلفا في العلم بالعتق صدقت ; لأن الأصل عدمه ، قال محمد : بغير يمين .

فرع

قال : فإن عتقت قبل البناء ولم يعلم إلا بعده فلها الأكثر من المسمى وصداق المثل على أنها حرة ، وإن كان العقد فاسدا : فصداق حرة قولا واحدا ، أو صحيحا وعلمت بالعتق والحكم فالمسمى فقط قبل البناء ، وبعده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث