الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 255 - 256 ] ( ويصلي الإمام بالناس ركعتين ، يكبر في الأولى للافتتاح وثلاثا بعدها ) ، ( ثم يقرأ الفاتحة وسورة ، ويكبر تكبيرة يركع بها ، ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة ، ثم يكبر ثلاثا بعدها ، ويكبر رابعة يركع بها ) وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه ، وهو قولنا . [ ص: 257 - 258 ] وقال ابن عباس رضي الله عنه : يكبر في الأولى للافتتاح وخمسا بعدها ، وفي الثانية : يكبر خمسا ثم يقرأ ، وفي رواية : يكبر أربعا ، وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس رحمه الله لأمر بينه الخلفاء .

أما المذهب فالقول الأول ; لأن التكبير ورفع الأيدي خلاف المعهود ، فكان الأخذ بالأقل أولى ، ثم التكبيرات من أعلام الدين حتى يجهر به ، فكان الأصل فيه الجمع ، وفي الركعة الأولى يجب إلحاقها بتكبيرة الافتتاح لقوتها من حيث الفرضية والسبق ، وفي الثانية لم يوجد إلا تكبيرة الركوع فوجب الضم إليها ، والشافعي أخذ بقول ابن عباس رضي الله عنه ، إلا أنه حمل المروي كله على الزوائد فصارت التكبيرات عنده خمس عشرة أو ست عشرة .

التالي السابق


قوله : ويصلي الإمام بالناس ركعتين ، يكبر في الأولى للافتتاح ، وثلاثا بعدها ، ثم يقرأ الفاتحة وسورة ، ويكبر تكبيرة يركع بها ، ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة ، ثم يكبر ثلاثا بعدها ، ويكبر رابعة ، يركع بها ، وهذا قول ابن مسعود ، وهو قولنا ، قلت : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة ، والأسود أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين ، تسعا تسعا : أربع قبل القراءة ، ثم يكبر ، فيركع . وفي الثانية يقرأ ، فإذا فرغ ، كبر أربعا ، ثم ركع ، أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة ، والأسود ، قال : كان ابن مسعود جالسا ، وعنده حذيفة . وأبو موسى الأشعري ، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد ، فقال حذيفة : سل الأشعري ، فقال الأشعري : سل عبد الله ، فإنه أقدمنا ، وأعلمنا ، فسأله ، فقال ابن مسعود : يكبر أربعا ، ثم يقرأ ، ثم يكبر ، فيركع ، فيقوم في الثانية ، فيقرأ ، ثم يكبر أربعا بعد القراءة . انتهى .

طريق آخر : رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا هشيم ثنا مجالد عن الشعبي عن مسروق ، قال : كان عبد الله بن مسعود يعلمنا التكبير في العيدين ، تسع تكبيرات : خمس في الأولى وأربع في الآخرة ، ويوالي بين القراءتين وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته . انتهى .

وينظر الطبراني ، فإنه رواه من طرق أخرى ، قال الترمذي في [ ص: 257 ] كتابه " : وروي عن ابن مسعود أنه قال ، في التكبير في العيدين : تسع تكبيرات : في الأولى خمسا قبل القراءة وفي الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر أربعا ، مع تكبيرة الركوع ، وقد روي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا . انتهى . أحاديث الباب المرفوعة : أخرج أبو داود في " سننه " عن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول ، قال : أخبرني أبو عائشة ، جليس لأبي هريرة ، { أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان ، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر ؟ فقال أبو موسى : كان يكبر أربعا ، تكبيره على الجنائز ، فقال حذيفة : صدق ، فقال أبو موسى : كذلك كنت أكبر في البصرة ، حيث كنت عليهم }. انتهى .

سكت عنه أبو داود ، ثم المنذري في " مختصره " ، ورواه أحمد في " مسنده " ، واستدل به ابن الجوزي في " التحقيق " لأصحابنا ، ثم أعله بعبد الرحمن بن ثوبان ، قال : قال ابن معين : هو ضعيف ، وقال أحمد : لم يكن بالقوي ، وأحاديثه مناكير ، قال : وليس يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تكبير العيدين حديث صحيح . انتهى .

قال في " التنقيح " : عبد الرحمن بن ثوبان وثقه غير واحد ، وقال ابن معين : ليس به بأس ، ولكن أبو عائشة ، قال ابن حزم فيه : مجهول ، وقال ابن القطان : لا أعرف . انتهى .

الأحاديث الموقوفة : قال ابن أبي شيبة في " مصنفه " : حدثنا يحيى بن سعيد عن أشعث عن محمد بن سيرين عن أنس أنه كان يكبر في العيد تسعا ، فذكر مثل حديث ابن مسعود . انتهى .

{ حديث آخر } : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " ، أخبرنا إسماعيل بن أبي الوليد ثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث ، قال : شهدت ابن عباس كبر في صلاة العيد [ ص: 258 ] بالبصرة تسع تكبيرات ، ووالى بين القراءتين ، قال : وشهدت المغيرة بن شعبة فعل ذلك أيضا ، فسألت خالدا كيف كان فعل ابن عباس ، ففسر لنا كما صنع ابن مسعود في حديث معمر . والثوري عن أبي إسحاق سواء . انتهى .

قوله : وقال ابن عباس : يكبر في الأولى للافتتاح ، وخمسا بعدها وفي الثانية يكبر خمسا ، ثم يقرأ ، وفي رواية يكبر أربعا في الثانية ، وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس لأمر بينه الخلفاء ، قلت : روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا وكيع عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس كبر في عيد ثلاث عشرة : سبعا في الأولى وستا في الآخرة ، بتكبيرة الركوع ، كلهن قبل القراءة . انتهى .

أخبرنا ابن إدريس ثنا ابن جريج به نحوه ، حدثنا هشيم عن حجاج وعبد الملك عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يكبر في العيد ثلاث عشرة تكبيرة انتهى .

حدثنا يزيد بن هارون ثنا حميد عن عمار بن أبي عمار أن ابن عباس كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة : سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة . انتهى .

وكأن رواية يزيد بن هارون هذه ، هي الرواية الثانية ، عن ابن عباس ، لأنه كبر في الأولى سبعا ، بتكبيرة الركوع . وكبر في الثانية خمسا بتكبيرة الركوع ، فالجملة اثنا عشر تكبيرة ، والله سبحانه أعلم ، وقد ورد عن ابن عباس ما يخالف هذا ، ويوافق مذهبنا ، فروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا هشيم ثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث ، قال : صلى ابن عباس يوم عيد ، فكبر تسع تكبيرات : خمسا في الأولى وأربعا في الآخرة ووالى بين القراءتين . انتهى .

ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " ، وزاد فيه : وفعل [ ص: 259 ] المغيرة بن شعبة مثل ذلك ، وقد تقدم قريبا .

أحاديث الخصوم المرفوعة : أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ، قالت : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين ، في الأولى بسبع تكبيرات وفي الثانية بخمس ، قبل القراءة ، سوى تكبيرتي الركوع }. انتهى .

ورواه الحاكم في " المستدرك " ، وقال : تفرد به ابن لهيعة ، وقد استشهد به مسلم في موضعين ، قال : وفي الباب عن عائشة وابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو ، والطرق إليهم فاسدة . انتهى كلامه .

وذكر الدارقطني في " علله " أن فيه اضطرابا ، فقيل : عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الزهري ، وقيل : عنه عن عقيل عن الزهري ، وقيل : عنه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة ، وقيل : عنه عن الأعرج عن أبي هريرة ، قال : والاضطراب فيه من ابن لهيعة . انتهى كلامه . وقال الترمذي في " علله الكبرى " : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فضعفه ، وقال : لا أعلم رواه غير ابن لهيعة انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود ، وابن ماجه أيضا عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { التكبير في الفطر ، سبع في الأولى . وخمس في الثانية ، والقراءة بعدهما كلتيهما }. انتهى . زاد الدارقطني فيه : { وخمس في الثانية ، سوى تكبيرة الصلاة ، }انتهى .

قال ابن القطان في " كتابه " : والطائفي هذا ضعفه جماعة : منهم ابن معين انتهى . قال النووي في " الخلاصة " : قال الترمذي في " العلل " : سألت البخاري عنه ، فقال : هو صحيح . انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الترمذي وابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عمرو بن عوف المزني ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين ، في [ ص: 260 ] الأولى سبعا ، قبل القراءة ، وفي الآخرة خمسا ، قبل القراءة }. انتهى . قال الترمذي : حديث حسن ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب . انتهى .

وقال في " علله الكبرى " : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : ليس شيء في هذا الباب أصح منه ، وبه أقول ، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أيضا صحيح والطائفي مقارب الحديث . انتهى .

قال ابن القطان في " كتابه " هذا ليس بصريح في التصحيح ، فقوله : هو أصح شيء في الباب " يعني أشبه ما في الباب " وأقل ضعفا ، وقوله : وبه أقول ، يحتمل أن يكون من كلام الترمذي ، أي ، وأنا أقول : إن هذا الحديث أشبه ما في الباب .

وكذا قوله : وحديث الطائفي أيضا صحيح ، يحتمل أن يكون من كلام الترمذي ، وقد عهد منه تصحيح حديث عمرو بن شعيب ، فظهر من ذلك أن قول البخاري : أصح شيء ، ليس معناه صحيحا ، قال : ونحن ، وإن خرجنا عن ظاهر اللفظ ، ولكن أوجبه ، أن كثير بن عبد الله عندهم متروك ، قال أحمد بن حنبل : كثير بن عبد الله لا يساوي شيئا ، وضرب على حديثه في المسند ، ولم يحدث به .

وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال النسائي والدارقطني : متروك الحديث .

وقال أبو زرعة : واه الحديث ، وقال الشافعي : هو ركن من أركان الكذب ، وقال ابن حبان : روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة ، لا يحل ذكرها في الكتب ، إلا على سبيل التعجب . والطائفي ضعفه ناس : منهم ابن معين انتهى . قال ابن دحية في " العلم المشهور " : وكم حسن الترمذي في " كتابه " من أحاديث موضوعة ، وأسانيد واهية : منها هذا الحديث ، فإن الحسن عندهم ما نزل عن درجة الصحيح ، ولا يرد عليه ، إلا من كلامه ، قال في " علله " التي في آخر كتابه " الجامع " : والحديث الحسن عندنا ما روي من غير وجه ، ولم يكن شاذا ، ولا في إسناده من يتهم بالكذب . وقد قال أحمد بن حنبل : ليس في تكبير العيدين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح ، وإنما أخذ مالك فيها بفعل أبي هريرة . انتهى كلامه .

{ حديث آخر } : رواه ابن ماجه في " سننه " حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد ، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : حدثني أبي عن أبيه عن جده { أن [ ص: 261 ] النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين ، في الأولى سبعا ، قبل القراءة وفي الآخرة خمسا ، قبل القراءة }. انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عبد الله بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين ، في الأولى سبع تكبيرات ، وفي الآخرة خمسا }. انتهى . وعبد الله بن محمد بن عمار ، قال فيه ابن معين : ليس بشيء .

{ حديث آخر } : أخرجه الدارقطني أيضا عن فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { التكبير في العيدين ، في الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس تكبيرات }. انتهى .

قال الترمذي في " علله الكبرى " : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : الفرج بن فضالة ذاهب الحديث ، والصحيح ما رواه مالك وغيره من الحفاظ عن نافع عن أبي هريرة فعله . انتهى .

وحديث أبي هريرة هذا الذي أشار إليه البخاري ، رواه مالك في " الموطأ " عن نافع ، مولى ابن عمر ، قال : شهدت الأضحى والفطر ، مع أبي هريرة ، فكبر في الأولى سبع تكبيرات ، قبل القراءة ، وفي الآخرة خمسا ، قبل القراءة ، قال مالك : وهو الأمر عندنا . انتهى .

{ حديث آخر } : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه ، قال : { قال علي : يكبر في الأضحى والفطر والاستسقاء ، سبعا في الأولى وخمسا في الأخرى ، ويصلي قبل الخطبة ، ويجهر بالقراءة ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك }. انتهى



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث