الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وستين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ثم ركب عمر والناس معه بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته ، وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته ، فرفع رأسه فقال : إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ، فقال : إنك تروح إلينا .

قال : فلطمت أخته وجهها وقالت : يا ويلتاه ! قال : ليس لك الويل يا أخية ، اسكتي رحمك الله ! قال له العباس أخوه : يا أخي أتاك القوم .

فنهض فقال : يا أخي أركب بنفسي .

فقال له العباس : بل أروح أنا .

فقال : اركب أنت حتى تلقاهم فتقول : ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟

[ ص: 166 ] وتسألهم عما جاء بهم .

فأتاهم في نحو عشرين فارسا فيهم زهير بن القين فسألهم ، فقالوا جاء [ أمر ] الأمير بكذا وكذا .

قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم .

فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويذكرونهم الله ، فلما أخبره العباس بقولهم قال له الحسين : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا ( هذه الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار ) .

وأراد الحسين أيضا أن يوصي أهله .

فرجع إليهم العباس وقال لهم : انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله ، فإما رضيناه وإما رددناه .

فقال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر ؟ قال : أنت الأمير .

فأقبل على الناس فقال : ما ترون ؟ فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي : سبحان الله ! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوهم .

وقال قيس بن الأشعث بن قيس : أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال غدوة .

فقال لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية .

ثم رجع عنهم .

فجمع الحسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال : أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين فاجعلنا لك من الشاكرين أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعا عني خيرا ، ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ، وإني قد أذنت لكم جميعا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا ، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري .

فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وأبناء عبد الله بن جعفر : لم نفعل هذا ؟ لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبدا ! فقال الحسين : يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا فقد أذنت لكم .

قالوا : وما نقول للناس ؟ نقول : تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا ؟ لا والله لا نفعل ولكنا نفديك [ ص: 167 ] بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك !

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال : أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك ؟ أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك .

وتكلم أصحابه بنحو هذا ، فجزاهم الله خيرا .

وسمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول ، وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري يعالج سيفه :


يا دهر أف [ لك ] من خليل كم لك بالإشراق والأصيل     من صاحب أو طالب قتيل
والدهر لا يقنع بالبديل     وإنما الأمر إلى الجليل
وكل حي سالك السبيل



فأعادها مرتين أو ثلاثا ، فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه ونادت : واثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ! ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي ! ( فذهب ) فنظر إليها وقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان .

قالت : بأبي أنت وأمي استقتلت ! نفسي لنفسك الفدى ! فردد غصته وترقرقت عيناه ثم قال : لو ترك القطا [ ليلا ] لنام .

فلطمت وجهها وقالت : واويلتاه ! أفتغصبك نفسك اغتصابا ، فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ! ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها ، فقام إليها الحسين فصب الماء على وجهها وقال : اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون ، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله ، أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير [ ص: 168 ] مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة .

فعزاها بهذا ونحوه وقال لها : يا أخية إني أقسم عليك لا تشقي علي جيبا ، ولا تخمشي علي وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت .

ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت ، فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت على أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم .

فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويتضرعون ويدعون .

فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت ، وقيل الجمعة ، يوم عاشوراء ، خرج فيمن معه من الناس ، وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا ، وأربعون راجلا ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مطهر في ميسرتهم ، وأعطى رايته العباس أخاه ، وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل ، لئلا يؤتوا من ورائهم وأضرم نارا فنفعهم ذلك .

وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي ، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي ، فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه ، وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي التميمي ، وأعطى الراية مولاه .

فلما دنوا من الحسين أمر فضرب له فسطاط ، ثم أمر بمسك فميث في جفنة ، ثم دخل الحسين فاستعمل النورة ، ووقف عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير بن خضير الهمداني على باب الفسطاط وازدحما أيهما يطلي بعده ، فجعل برير يهازل عبد الرحمن ، فقال له : والله ما هذه بساعة باطل .

فقال برير : والله إن قومي لقد علموا [ ص: 169 ] أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكنني مستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم .

فلما فرغ الحسين دخلا ، ثم ركب الحسين دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه ، واقتتل أصحابه بين يديه ، فرفع يديه ثم قال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة .

فلما رأى أصحاب عمر النار تلتهب في القصب نادى شمر الحسين : تعجلت النار في الدنيا قبل القيامة ! فعرفه الحسين فقال : أنت أولى بها صليا ! ثم ركب الحسين راحلته وتقدم إلى الناس ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس فقال : أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظهم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ! قال : فلما سمع أخواته قوله بكين وصحن وارتفعت أصواتهن ، فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن ، وقال لعمري ليكثرن بكاؤهن ! فلما ذهبا قال : لا يبعد ابن عباس ، وإنما قالها حين سمع بكاءهن لأنه كان نهاه أن يخرج بهن معه .

فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء وقال ما لا يحصى كثرة ، فما سمع أبلغ منه ، ثم قال : أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه ، وأولى المؤمنين بالله والمصدق لرسوله ؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أوليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي ؟

[ ص: 170 ] أولم يبلغكم قول مستفيض [ فيكم ] : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لي ولأخي : أنتما سيدا شباب أهل الجنة ( وقرة عين أهل السنة ) ؟ فإن صدقتموني بما أقول ، وهو الحق ، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه [ أهله ] ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو سهل بن سعد أو زيد بن أرقم أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي ؟

فقال له شمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ! فقال له حبيب بن مطهر : والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وإن الله قد طبع على قلبك فلا تدري ما تقول .

ثم قال الحسين : فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم .

أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو بمال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة ؟ فلم يكلموه ، فنادى : يا شبث بن ربعي ! ويا حجار بن أبجر ! ويا قيس بن الأشعث ! ويا زيد بن الحارث ! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم ؟ قالوا : لم نفعل .

ثم قال : بلى فعلتم .

ثم قال : أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض .

قال : فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم ابن عمك ، يعني ابن زياد ، فإنك لن ترى إلا ما تحب .

فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل ، ولا أقر إقرار العبد .

عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته ونزل عنها .

وخرج زهير بن القين على فرس له في السلاح فقال : يا أهل الكوفة ، نذار لكم من عذاب الله نذار ، إن حقا على المسلم نصيحة المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا نحن [ ص: 171 ] أمة وأنتم أمة ، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءا ، يسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه !

قال : فسبوه وأثنوا على ابن زياد وقالوا : والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلما .

فقال لهم : يا عباد الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، خلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية

فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين .

فرماه شمر بسهم وقال : اسكت أسكت الله نأمتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك ! فقال زهير : يا ابن البوال على عقبيه ! ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ! والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم .

فقال شمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة .

قال : أفبالموت تخوفني ؟ والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم ! ثم رفع صوته وقال : عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي ، فوالله لا تنال شفاعة محمد قوما أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم .

فأمره الحسين فرجع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث