الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 7407 ) مسألة : قال : ( وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة ، فغرقتا ، فعلى المنحدرة قيمة السفينة المصاعدة ، أو أرش ما نقصت إن أخرجت ، إلا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح ، فلم يقدر على ضبطها )

وجملته أن السفينتين إذا اصطدمتا ، لم تخل من حالين ; أحدهما ، أن تكونا متساويتين ، كاللتين في بحر أو ماء واقف ، أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة ، فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة ; لأنها مسألة الكتاب ، ولا يخلو من حالين ; [ ص: 160 ] أحدهما ، أن يكون القيم بها مفرطا ، بأن يكون قادرا على ضبطها ، أو ردها عن الأخرى ، فلم يفعل ، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى ، فلم يفعل ، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجالات وغيرهما ، فعلى المنحدر ضمان المصاعدة ; لأنها تنحط عليها من علو ، فيكون ذلك سببا لغرقها ، فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر ، والمصاعدة بمنزلة الواقف .

وإن غرقتا جميعا ، فلا شيء على المصعد ، وعلى المنحدر قيمة المصعد ، أو أرش ما نقصت إن لم تتلف كلها ، إلا أن يكون التفريط من المصعد ; بأن يمكنه العدول بسفينته ، والمنحدر غير قادر ولا مفرط ، فيكون الضمان على المصعد ; لأنه المفرط . وإن لم يكن من واحد منهما تفريط ، لكن هاجت ريح ، أو كان الماء شديد الجرية ، فلم يمكنه ضبطها ، فلا ضمان عليه ; لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

الحال الثاني : أن يكونا متساويتين ، فإن كان القيمان مفرطين ، ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر ، بما فيها من نفس ومال ، كما قلنا في الفارسين يصطدمان ، وإن لم يكونا مفرطين ، فلا ضمان عليهما . وللشافعي في حال عدم التفريط قولان ; أحدهما ، عليهما الضمان ; لأنهما في أيديهما ، فلزمهما الضمان ، كما لو اصطدم الفارسان ; لغلبة الفرسين لهما . ولنا ، أن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما ، ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ، ولا الاحتراز من ذلك ، فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة ، ويخالف الفرسين ، فإنه ممكن ضبطهما ، والاحتراز من طردهما .

وإن كان أحدهما مفرطا وحده ، فعليه الضمان وحده ، وإن اختلفا في تفريط القيم ، فالقول قوله مع يمينه ; لأن الأصل عدم التفريط ، وهو أمين ، فهو كالمودع . وعند الشافعي ، أنهما إذا كان مفرطين ، فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه ، كقوله في اصطدام الفارسين ، على ما مضى .

( 7408 ) فصل : فإن كان القيمان مالكين للسفينتين بما فيهما تقاصا ، وأخذ ذو الفضل فضله ، وإن كانا أجيرين ، ضمنا ، ولا تقاص هاهنا ; لأن من يجب له غير من يجب عليه . وإن كان في السفينتين أحرار فهلكوا ، وكانا قد تعمدا المصادمة ، وذلك مما يقتل غالبا ، فعليهما القصاص . وإن كانوا عبيدا ، فلا ضمان على القيمين ، إذا كان حرين .

وإن لم يتعمدا المصادمة ، أو كان ذلك مما لا يقتل غالبا وجبت دية الأحرار على عاقلة القيمين ، وقيمة العبيد في أموالهما . وإن كان القيمان عبدين ، تعلق الضمان برقبتهما ، فإن تلفا جميعا ، سقط الضمان ، وأما مع عدم التفريط فلا ضمان على أحد . وإن كان في السفينتين ودائع ومضاربات ، لم تضمن ; لأن الأمين لا يضمن ، ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان . وإن كانت السفينتان بأجرة ، فهما أمانة أيضا ، لا ضمان فيهما .

وإن كان فيهما مال يحملانه بأجرة إلى بلد آخر ، فلا ضمان ; لأن الهلاك بأمر غير مستطاع .

( 7409 ) فصل : وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة ، فلا ضمان على الواقفة ، وعلى السائرة ضمان الواقفة ، إن كان مفرطا ، ولا ضمان عليه إن لم يفرط ، على ما قدمنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث