الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التسمية على كل حال وعند الوقاع

141 7 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا جرير عن منصور ، عن سالم ابن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : باسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فقضي بينهما ولد لم يضره .

التالي السابق


مطابقة الحديث لأحد شقي الترجمة الذي هو الخاص ، وهو قوله : « عند الوقاع " وليس فيه ما يطابق الشق الآخر الذي هو العام ، وهو قوله : « على كل حال " ولكن لما كان حال الوقاع أبعد حال من ذكر الله تعالى ، ومع ذلك تسن التسمية فيه ، ففي سائر الأحوال بالطريق الأولى ، فلذلك أورده البخاري في هذا الباب للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء .

فإن قلت : كان المناسب أن يذكر حديث : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه . قلت : هذا الحديث ليس على شرطه وإن كثرت طرقه ، وقد طعن فيه الحفاظ واستدركوا على الحاكم تصحيحه بأنه انقلب عليه إسناده واشتبه ، وقال الإمام أحمد : لا أعلم في التسمية حديثا ثابتا . قلت : هذا [ ص: 267 ] الحديث رواه يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه أبو داود وغيره ، وقال البخاري في تاريخه الكبير : لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب من أبيه ، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ، ورواه الحاكم وصححه ، وفي إسناده أبو ثعال عن رباح عن جدته ، وقال ابن القطان في كتاب الوهم والإيهام : فيه ثلاث مجاهيل الأحوال ، جدة رباح لا يعرف لها اسم ولا حال ، ولا يعرف بغير هذا ، ورباح أيضا مجهول الحال ، وكذلك أبو ثعال .

وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : هذا الحديث ليس عندنا بذاك الصحيح ، وأبو ثعال مجهول ، ورباح مجهول ، ورواه ابن ماجه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - عليه الصلاة والسلام - والحاكم وصححه ، وفي إسناده ربيح بن عبد الرحمن ، وهو منكر الحديث ، قاله البخاري ، وأصح ما في التسمية حديث أنس " أن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ، وقال : توضؤوا باسم الله" الحديث ، وبه احتج البيهقي في كتابه المعرفة ، ويقرب منه حديث "كل أمر ذي بال" الحديث .

( بيان رجاله ) وهم ستة ، قد ذكر علي بن عبد الله المديني ، وجرير بن عبد الحميد ، ومنصور بن المعتمر ، وكريب مولى ابن عباس ، وعبد الله بن عباس ، وأما سالم فهو ابن أبي الجعد ، بفتح الجيم وسكون العين المهملة ، رافع الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي ، روى عن ابن عباس وابن عمر ، وأرسل عن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، قال أحمد : لم يسمع من ثوبان ، ولم يلقه ، وعنه منصور والأعمش ، مات سنة مائة ، وهو من الثقات لكنه يرسل ويدلس ، وحديثه عن النعمان بن بشير ، وعن جابر في البخاري ومسلم ، وعن عبد الله بن عمرو وابن عمر في البخاري ، وعن علي رضي الله تعالى عنه في أبي داود والنسائي .

( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني ; فإن مسلما وابن ماجه لم يخرجا له ، ومنها أنهم ما بين مكي ومدني وكوفي وبصري ورازي ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين وهم منصور ، وهو من صغار التابعين وسالم وكريب ، ومنها أن فيه البلاغ ، وهو قوله : « يبلغ به " أي : يصل ابن عباس بالحديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ، وهذا كلام كريب ، وغرضه أنه ليس موقوفا على ابن عباس ; بل هو مسند إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، لكنه يحتمل أن يكون بالواسطة بأن يكون سمعه من صحابي سمعه من الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأن يكون بدونها ، ولما لم يكن قاطعا بأحدهما أو لم يرد بيانه ذكره بهذه العبارة .

( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن قتيبة ، وفي الدعوات عن عثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير ، وفي النكاح عن سعيد بن حفص عن شيبان ، وفي صفة إبليس عن موسى بن إسماعيل عن همام ، وعن آدم عن شعبة أربعتهم عن منصور عن سالم بن أبي الجعد به ، وفي حديث شعبة وحدثنا الأعمش عنه به ، ولم يرفعه ، وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير به ، وعن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر عن شعبة به ، ولم يذكر الأعمش ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ، وعن عبد الله بن حميد عن عبد الرزاق كلاهما عن سفيان عن منصور به ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عيسى عن جرير به .

وأخرجه الترمذي فيه عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن منصور بمعناه ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن المقري عن سفيان بن عيينة به ، وفي اليوم والليلة عن سليمان بن عبيد الله الغيلاني عن بهز عن شعبة بإسناد حديث آدم ، وعن إسماعيل بن مسعود عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن منصور والأعمش فرقهما كلاهما عنه به مرفوعا عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة عن الفضل بن موسى عن سفيان عن منصور عن كريب ، ولم يذكر سالما ، وعن محمد بن حاتم بن نعيم عن ابن أبي عمر عن فضيل بن عياض عن منصور عن سالم عن ابن عباس به موقوفا ، ولم يذكر كريبا ، وأخرجه ابن ماجه في النكاح عن عمرو بن رافع عن جرير به .

( بيان اللغات ) قوله : « أهله " المراد زوجته ، وفي العباب : الأهل أهل الرجل وأهل الدار ، وكذلك الأهلة ، والجمع الأهلات وأهلات وأهلون ، وكذلك الأهالي ، زادوا فيه الياء على غير قياس ، كما جمعوا ليلا على ليالي ، وقد جاء في الشعر آهال ، مثال : فرخ وأفراخ ، وزند وأزناد ، قوله : « جنبنا " من جنب الشيء يجنب تجنيبا إذا أبعده منه ، ومنه الجنب ; لأنه بعيد عن ذكر الله تعالى ، وأجنب تباعد ، وأجنبته الشيء مثل جنبته ، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وطاوس وأبو الهجهاج الأعرابي ( وأجنبني وبني ) ، وقال الزمخشري : وفيه ثلاث لغات : جنبته الشر وجنبه وأجنبه ، فأهل الحجاز يقولون جنبني شره بالتشديد وأهل نجد [ ص: 268 ] جنبني شره واجنبني .

والشيطان وزنه فيعال إذا كان من شطن ، وفعلان إذا كان من شاط ، وقال الزمخشري : وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية ، وفي آخر زائدة ، والدليل على أصالتها قولهم تشيطن ، واشتقاقه من شطن إذا بعد لبعده من الصلاح والخير ، أو من شاط إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة ، ومن أسمائه الباطل ، وقال الجوهري : شطن عنه بعد ، وأشطنه أبعده ، قال ابن السكيت : شطنه يشطنه شطنا إذا خالفه عن نية وجهة ، وبئر شطون بعيدة ، والشيطان معروف ، وكل عات متمرد في الجن والإنس والدواب شيطان ، والعرب تسمي الحية شيطانا ، ونونه أصلية ، ويقال : إنها زائدة ; فإن جعلته فيعالا من قولهم : تشيطن الرجل صرفته ، وإن جعلته من تشيط لم تصرفه ; لأنه فعلان .

وفي العباب : الشيطان واحد الشياطين ، واختلفوا في اشتقاقه فقال قوم : إنه من شاط يشيط ، أي : هلك ووزنه فعلان ، ويدل على ذلك قراءة الحسن البصري والأعمش وسعيد بن جبير وأبي البرهسم وطاوس وما تنزلت به الشياطين وقال قوم : إنه من شطن ، أي : بعد ، وقال : وأصل شاط من شاط الزيت أو السمن إذا نضج حتى يحترق ; لأنه يهلك حينئذ وتشيط احترق وغضب فلان واستشاط ، أي : احتد كأنه التهب في غضبه ، والتركيب يدل على ذهاب الشيء إما احتراقا وإما غير ذلك .

قوله : « ما رزقتنا " من الرزق ، وفي العباب : الرزق ما ينتفع به ، والجمع الأرزاق ، وقال بعضهم : الرزق بالفتح المصدر الحقيقي والرزق بالكسر الاسم ، يقال : رزقه الله يرزقه ، وقد يسمى المطر رزقا ، وذلك قوله تعالى وما أنزل الله من السماء من رزق وفي السماء رزقكم وهو على الاتساع في اللغة ، انتهى . ويقال : الرزق في كلام العرب الحظ ; قال تعالى وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي : حظكم من هذا الأمر ، والحظ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره ، وقيل : الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل ، وهذا باطل ; لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا ، فقال تعالى أنفقوا مما رزقناكم فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه ، وقيل : الرزق هو ما يملك ، وهو أيضا باطل ; لأن الإنسان قد يقول : اللهم ارزقني ولدا صالحا وزوجة صالحة ، وهو لا يملك الولد والزوجة .

وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه فقال أبو الحسين البصري : هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره ، أي : منعه من الانتفاع به ، ولما فسرت المعتزلة الرزق بهذا لا جرم قالوا : الحرام لا يكون رزقا ، وقال أهل السنة : الحرام رزق ; لأنه في أصل اللغة الحظ والنصيب كما ذكرنا ; فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا له ونصيبا ، فوجب أن يكون رزقا له ، وأيضا قال الله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة ، فوجب أن يقال طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا .

قوله : « فقضى " من القضاء ، وله معان متعددة يقال قضى ، أي : حكم ، ومنه قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وقضى حاجته ، أي : فرغ منها ، وضربه فقضى عليه ، أي : قتله ، كأنه فرغ منه ، وسم قاض ، أي : قاتل ، وقضى نحبه قضاء ، أي : مات وقضى دينه ، أي : أداه ، وقضى إليه الأمر ، أي : أنهاه إليه وأبلغه ، وقال تعالى وقضينا إليه ذلك الأمر وقضى إليه ، أي : مضى إليه ، وقضاه ، أي : صنعه ، وقضاه ، أي : قدره ; قال تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين ومنه القضاء والقدر والمناسب ها هنا إما حكم أو قدر ، فافهم .

( بيان الإعراب ) قوله : « ليبلغ " بفتح الياء من البلاغ ، جملة في محل النصب على الحال ، وقوله : « به " صلة يبلغ ، والنبي بالنصب مفعوله ، قوله : « لو أن أحدكم " كلمة لو هذه ها هنا لمجرد الربط ، تفيد ترتيب الوجود عند الوجود ، كما في قوله تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وقول عمر رضي الله عنه "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" وكلمة أن في محل الرفع على الفاعلية ; إذ التقدير : لو ثبت قول أحدكم باسم الله .

قوله : « قال باسم الله " خبر أن ، وقوله : « إذا أتى أحدكم أهله " ظرف له ، وقوله : « لم يضره " جواب لو ، والتقدير : لو ثبت قول أحدكم باسم الله عند إتيان أهله لم يضر الشيطان ذلك الولد ، قوله : « جنبنا " جملة من الفعل والفاعل والمفعول ، وقوله : « الشيطان " بالنصب مفعول ثان لجنب ، وقوله : « وجنب " جملة من الفعل والفاعل "والشيطان" مفعوله ، وقوله : « ما رزقتنا " في محل النصب على أنه مفعول ثان ، وكلمة ما موصولة ، والعائد محذوف تقديره : الذي رزقتناه ، وقول من قال من الشارحين : ما ها هنا بمعنى شيء ، ليس بشيء ، قوله : « فقضى " عطف على قوله : « قال " المعنى عقيب قوله : « قدر الله بينهما ولدا " ويحتمل أن تكون للسببية ، كما في قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة قوله : « لم يضره " يجوز بضم الراء وفتحها ، ويقال : الضم أفصح . قلت : في مثل هذه المادة يجوز ثلاثة أوجه [ ص: 269 ] الضم لأجل ضمه ما قبلها ، والفتح ; لأنه أخف الحركات وفك الإدغام ، كما علم في موضعه ، فافهم .

( بيان المعاني ) قوله : « إذا أتى أهله " أي : جامعها ، وهو كناية عن الجماع ، قوله : « اللهم " معناه يا الله ، وقد مر فيما مضى تحقيقه ، قوله : « فقضى بينهما " أي : بين الأحد والأهل ، هذه رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي "فقضى بينهم" ووجهه بالنظر إلى معنى الجمع في الأهل والولد يشمل الذكر والأنثى ، قوله : « لم يضره " أي : لم يضر الشيطان الولد ، يعني لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه عز وجل ; بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان

ويقال : يحتمل أن يؤخذ قوله : « لم يضره " عاما فيدخل تحته الضرر الديني ، ويحتمل أن يؤخذ خاصا بالنسبة إلى الضرر البدني ، بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله وبدنه ، وهو الأقرب وإن كان التخصيص خلاف الأصل ; لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى أن يكون الولد معصوما عن المعاصي ، وقد لا يتفق ذلك ، ولا بد من وقوع ما أخبر به عليه الصلاة والسلام ، أما إذا حملناه على الضرر في العقل والبدن فلا يمتنع ، وقال القاضي عياض : قيل المراد أنه لا يصرعه الشيطان ، وقيل : لا يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره ، قال : ولم نحمله على العموم في جميع الضرر لوجود الوسوسة والإغراء ، يعني الحمل على فعل المعاصي ، وقال الداودي : لم يضره بأن يفتنه بالكفر .

( بيان استنباط الأحكام ) الأول : فيه استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع ، واستحب الغزالي في الإحياء أن يقرأ بعد باسم الله قل هو الله أحد ، ويكبر ويهلل ، ويقول بسم الله العلي العظيم ، اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدا يخرج من صلبي ، قال : وإذا قربت الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا الآية .

الثاني : فيه الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان ، والتبرك باسمه ، والاستشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه .

الثالث : فيه الحث على المحافظة على تسميته ودعائه في كل حال لم ينه الشرع عنه حتى في حال ملاذ الإنسان ، وقال ابن بطال : فيه الحث على ذكر الله في كل وقت على طهارة وغيرها ، ورد قول من قال : لا يذكر الله تعالى إلا وهو طاهر ، ومن كره ذكر الله تعالى على حالتين على الخلاء وعلى الوقاع . قلت : روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر ، وروي مثله عن أبي العالية والحسن ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كره أن يذكر الله تعالى على حالين على الخلاء والرجل يواقع أهله ، وهو قول عطاء ومجاهد ، وقال مجاهد رحمه الله : يجتنب الملك الإنسان عند جماعه وعند غائطه ، وقال ابن بطال ، وهذا الحديث خلاف قولهم . قلت : ليس كذلك ; فإن المراد بإتيانه أهله إرادة ذلك ، وحينئذ فليس خلاف قولهم وكراهة الذكر على غير طهر لأجل تعظيمه .

الرابع : قال ابن بطال : لما كان في هذا الحث على التسمية في كل حال استحب مالك التسمية عند الوضوء . قلت : فيه مذاهب :

أحدها : أنه سنة وليست بواجبة ، فلو تركها عمدا صح وضوؤه ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء ، وهو أظهر الروايتين عن أحمد ، وعبارة ابن بطال أن مالكا استحبها ، وكذا عامة أهل الفتوى .

الثاني : أنها واجبة ، وهي رواية عن أحمد وقول أهل الظاهر .

الثالث : أنها واجبة إن تركها عمدا بطلت طهارته ، وإن تركها سهوا أو معتقدا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، كما حكاه الترمذي عنه .

الرابع : أنها ليست بمستحبة ، وهي رواية عن أبي حنيفة ، وعن مالك رواية أنها بدعة ، وقال ما سمعت بهذا يريد أن يذبح ، وفي رواية أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا في تركها .

الخامس : فيه الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته - أعاذنا الله منه - فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وعلى خيشومه إذا نام ، وعلى قلبه إذا استيقظ ; فإذا غفل وسوس ، وإذا ذكر الله خنس ، ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد ، عليك ليل طويل ، وتنحل بالذكر والوضوء والصلاة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث