الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة

جزء التالي صفحة
السابق

وخلاصة ما تقدم : أن نكاح الكتابيات جائز لا وجه لمنعه ، ونكاح المشركات محرم . وكون لفظ المشركات عاما لجميع الوثنيات ، أو خاصا بمشركات العرب محل اجتهاد وخلاف بين علماء السلف . قال ابن جرير في تفسير ولا تنكحوا المشركات : " وقال آخرون : بل أنزلت هذه الآية مرادا بحكمها مشركات العرب لم ينسخ منها شيء " وروي ذلك عن قتادة من عدة طرق ، وعن سعيد بن جبير ، ولكن هذا قال : " مشركات أهل الأوثان " ولم يمنع ذلك ابن جرير من عده قائلا بأنها خاصة بمشركات العرب ، ثم قال بعد ذكر سائر روايات الخلاف : " وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة من أنه تعالى ذكره عنى بقوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن من لم يكن من أهل الكتاب [ ص: 159 ] من المشركات ، وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها لم ينسخ منها شيء ، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها " إلى آخر ما أطال به في بيان حل نكاح الكتابيات .

هذا ما يظهر بالبحث في الدليل ، ولكننا لم نطلع على قول صريح لأحد من العلماء في حل التزوج بما عدا الكتابيات والمجوسيات من غير المسلمين ، وقد صرح بحل المجوسية الإمام أبو ثور صاحب الإمام الشافعي الذي تفقه به حتى صار مجتهدا ، وصرحوا بأن تفرده لا يعد وجها في مذهب الشافعي ، فالشافعية لا يبيحون نكاح المجوسية فضلا عن الوثنية الصينية .

ولا يأتي في هذا المقام قول بعض أهل الأصول : إن النهي لا يقتضي البطلان في العقود والمعاملات ، وهو مذهب الحنفية ، فإنهم استثنوا منه النكاح ، وعللوا ذلك بأنه عقد موضوع للحل ، فلما انفصل عنه ما وضع له بالنهي المقتضي للحرمة ، كان باطلا بخلاف البيع ; لأن وضعه للملك لا للحل بدليل مشروعيته في موضع الحرمة كالأمة المجوسية ; فلذلك كان النهي عن شيء منه غير مقتض لبطلان العقد ، فلا يقال عندهم : إن نكاح الصينية يقع صحيحا وإن كان محرما .

وأما البحث في المسألة من جهة حكمة التشريع ، فقد بين - تعالى - ذلك في آية النهي عن التناكح بين المؤمنين والمشركين في آية البقرة بقوله : أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ( 2 : 221 ) وقد وضحنا ذلك في تفسير الآية ، وبينا الفرق بين المشركة والكتابية ، فيراجع في الجزء الثاني من التفسير ( من ص 280 - 284 ط الهيئة ) ومنه أن أهل الكتاب لكونهم أقرب إلى المؤمنين شرعت موادتهم ; لأنهم بمعاشرتنا ومعرفة حقيقة الإسلام منا بالتخلق والعمل ، يظهر لهم أن ديننا هو عين دينهم مع مزيد بيان وإصلاح يقتضيه ترقي البشر ، وإزالة بدع وأوهام دخلت عليهم من باب الدين ، وما هي من الدين في شيء . وأما المشركون فلا صلة بين ديننا ودينهم قط ; ولذلك دخل أهل الكتاب في الإسلام مختارين بعدما انتشر بينهم ، وعرفوا حقيقته ، ولو قبلت الجزية من مشركي العرب كما قبلت من أهل الكتاب لما دخلوا في الإسلام كافة ، ولما قامت لهذا الدين قائمة ، ومن الفرق بينهما في القرب من الإسلام أو الدعوة إلى النار : أن أهل الكتاب لم يكونوا يعذبون من يقدرون عليه من المسلمين ليرجع عن دينه ، كما كان يفعل مشركو العرب .

ثم إن للإسلام سياسة خاصة في العرب وبلادهم ، وهي : أن تكون جزيرة العرب حرم الإسلام المحمي ، وقلبه الذي تتدفق منه مادة الحياة إلى جميع الأطراف ، وموئله الذي يرجع إليه عند تألب الأعداء عليه ; ولذلك لم يقبل من مشركي جزيرة العرب الجزية حتى لا يبقى فيها مشرك ، بل أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألا يبقى فيها دينان ، كما بينا ذلك في الفتوى الرابعة المنشورة في الجزء الثاني ( ص 97 ) من المجلد ( الثاني عشر ) وتدل [ ص: 160 ] عليه الأحاديث الواردة في كون الإسلام يأرز في المستقبل إلى الحجاز ، كما تأرز الحية إلى جحرها ، وهذا يؤيد تفسير قتادة " المشركين والمشركات " في الآية .

إذا كان الازدواج بين المسلمين والمشركين ينافي هذه السياسة التي هي الأصل الأصيل في انتشار الإسلام ، وكان تزوج المسلمين بالصينيات مدعاة لدخولهن في الإسلام ، كما هو حاصل في بلاد الصين ، فلا يكون تعليل الآية للحرمة صادقا عليهن ، وكيف يعطى الضد حكم الضد ؟ !

وقد حذرنا في التفسير من التزوج بالكتابية إذا خشي أن تجذب المرأة الرجل إلى دينها ; لعلمها وجمالها ، وجهله وضعف أخلاقه ، كما يحصل كثيرا في هذا الزمان في تزوج بعض ضعفاء المسلمين ببعض الأوربيات ، أو غيرهن من الكتابيات ، فيفتنون بهن ، وسد الذريعة واجب في الإسلام . اهـ .

ملخص هذه الفتوى : أن المشركات اللاتي حرم الله نكاحهن في آية البقرة هن مشركات العرب ، وهو المختار الذي رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ، وأن المجوس والصابئين ووثنيي الهند والصين ، وأمثالهم كاليابانيين - أهل كتب مشتملة على التوحيد إلى الآن ، والظاهر من التاريخ ومن بيان القرآن أن جميع الأمم بعث فيها رسل ، وأن كتبهم سماوية طرأ عليها التحريف كما طرأ على كتب اليهود والنصارى التي هي أحدث عهدا في التاريخ ، وأن المختار عندنا أن الأصل في النكاح الإباحة ، ولذلك ورد النص بمحرمات النكاح ، وأن قوله - تعالى - بعد بيان محرمات النكاح وأحل لكم ما وراء ذلكم ( 4 : 24 ) يفيد حل نكاح نسائهم ، فليس لأحد أن يحرمه إلا بنص ناسخ للآية أو مخصص لعمومها ، وقد بينا في تفسير الآية التي نحن بصدد تفسيرها هنا أن الناس أخذوا بمفهوم أهل الكتاب ، وخصصوا أهل الكتاب باليهود والنصارى ، وهذا مفهوم مخالفة ، منع الجمهور الاحتجاج به في اللقب ، ولكن جرى العمل على هذا لأنه موافق للشعور الذي غلب على المسلمين في أول نشأتهم بعزة الإسلام وغلبته ، وظهور انحطاط جميع المخالفين له عن أهله ; ولهذا مال بعض المؤلفين إلى تحريم نكاح الكتابيات المنصوص على حله في آخر سور القرآن نزولا ، فمنهم من تأول النص بأن معنى أوتوا الكتاب من قبلكم عملوا به قبل الإسلام ، أو دانوا به قبل التحريف ، وهو تأويل ظاهر الفساد ، لا يصح لغة ، فإن معنى أوتوه من قبلنا : أعطوه ; أي أنزله الله عليهم ، والمفسرون متفقون على هذا المعنى في كل مكان ورد فيه هذا اللفظ ، وفي معناه قوله تعالى : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ( 6 : 156 ) ولولا أن هذا هو المعنى لما كان للآية فائدة .

ومنهم من التمس نقلا عن بعض المتقدمين ليجعله حجة على القرآن ، فوجدوا في بعض الكتب أن ابن عمر منع التزوج بالكتابية ، متأولا لآية البقرة ، وأنه قال : لا أعلم شركا أعظم [ ص: 161 ] من قولها أن ربها عيسى ، وهو معارض بما رواه عبد بن حميد عن ميمون بن مهران ، قال : سألت ابن عمر عن نساء أهل الكتاب ، فتلا علي هذه الآية والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وآية ولا تنكحوا المشركات ( 2 : 221 ) انتهى من الدر المنثور . وظاهر معنى العبارة أن الله أحل المحصنات من أهل الكتاب ، وحرم المشركات من العرب ، والقول الأول رواه عنه ابن أبي شيبة ، وابن أبي حاتم ، مع التصريح بأنه تأول آية البقرة ، فهو إذا صح اجتهاد منه ، ولم يقل أحد من الأصوليين أن اجتهاد الصحابي يعمل به في مسألة فيها نص ، بل منعه الجمهور مطلقا ، ومن قال به اشترط عدم النص ، وألا يكون له مخالف من الصحابة ، أي لئلا يكون ترجيحا بغير مرجح ، وهذا القول مع وجود النص مخالف لما كان عليه سائر الصحابة ، ومنهم والده عمر أمير المؤمنين ، فقد روى عنه عبد الرزاق وابن جرير ، أنه قال : " المسلم يتزوج النصرانية ، ولا يتزوج النصراني المسلمة " .

وتمسك بعضهم بقوله تعالى : ولا تمسكوا بعصم الكوافر ( 60 : 10 ) وهو جهل عظيم ، فإن هذا نزل في النساء المشركات اللواتي أسلم أزواجهن وبقين على شركهن .

وأقول : إن الجاهلين بأخلاق البشر يظنون أن الغلظة في معاملة المخالف في الدين هي التي يظهر بها الدين ، وتعلو كلمته ، وتنتشر دعوته ، والصواب : أن سوء المعاملة هو أعظم المنفرات ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ( 3 : 159 ) وما انتشر الإسلام في العصر الأول بتلك السرعة التي لم يسبق لها نظير في دين من الأديان إلا بحسن معاملة أهله لمن يعاشرونهم ، ويعيشون معهم ، ولولا ترك الخلف لسنة السلف في ذلك لما بقي في البلاد الإسلامية أحد لم يدخل الإسلام باختياره ، بل لعم الإسلام العالم كله .

نقول هذا تمهيدا لبيان حكمة مؤاكلة أهل الكتاب بلا تحرج من تذكيتهم ، وحل نسائهم ، وهي أن من غرض الشارع بذلك تألفهم ليعرفوا حقيقة الإسلام الذي هو أصل دينهم ، فقد أكمله الله - تعالى - بحسب سنته في الترقي البشري والتدريجي في كل شيء إلى أن ينتهي إلى كماله ، وهذا من مناسبات جعل هذه الآية بعد الآية المصرحة بإكمال الدين . قال الأستاذ الإمام في بيان حقيقة الإسلام من ( رسالة التوحيد ) :

" التفت إلى أهل العناد ، فقال لهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( 2 : 111 ) وعنف المنازعين إلى الشقاق على ما زعزعوا من أصول اليقين ، ونص على أن التفرق بغي وخروج عن سبيل الحق المبين ، ولم يقف في ذلك عند حد الموعظة بالكلام والنصيحة بالبيان ، بل شرع شريعة الوفاق وقررها في العمل ، فأباح للمسلم أن يتزوج من أهل الكتاب وسوغ [ ص: 162 ] مؤاكلتهم ، وأوصى أن تكون مجادلتهم بالتي هي أحسن ، ومن المعلوم أن المحاسنة هي رسول المحبة وعقد الألفة ، والمصاهرة إنما تكون بعد التحاب بين أهل الزوجين ، والارتباط بينهما بروابط الائتلاف ، وأقل ما فيها محبة الرجل لزوجته ، وهي على غير دينه ، قال تعالى : خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ( 30 : 21 ) انتهى المراد منه .

وإذا كانت الحكمة فيما شرعه الله - تعالى - من مؤاكلة أهل الكتاب والتزوج منهم ، هي إزالة الجفوة التي تحجبهم عن محاسن الإسلام ; بإظهار محاسنه لهم بالمعاملة كما تقدم - فينبغي لكل مسلم يريد الزواج منهم أن يكون مظهرا لهذه الحكمة وسالكا سبيلها ، وذلك بأن يكون قدوة صالحة لامرأته ولأهلها في الصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق ، فإن لم ير نفسه أهلا لذلك فلا يقدم عليه ، وإننا نرى بعض المسلمين من المصريين والترك يتزوجون من نساء الإفرنج ، ولكنهم يستدبرون بذلك هذه الحكمة ، فيرى أحدهم نفسه دون امرأته ويجعلها قدوة له ، ولا يرى نفسه أهلا لأن يكون قدوة لها ، ومنهم من يسمح لها بتنصير أولاده ، ومثل هؤلاء ليسوا من المسلمين إلا في الجنسية السياسية ، ففتنتهم بالكفر أكبر من فتنتهم بالنساء ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث