الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل

قالت عائشة رضي الله عنها : ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط فدخل علي ، إلا صلى أربع ركعات ، أو ست ركعات ، ثم يأوي إلى فراشه ) .

وقال ابن عباس لما بات عنده : ( صلى العشاء ، ثم جاء ، ثم صلى ، ثم نام ) ذكرهما أبو داود .

وكان إذا استيقظ ، بدأ بالسواك ، ثم يذكر الله تعالى ، وقد تقدم ذكر ما كان يقوله عند استيقاظه ، ثم يتطهر ، ثم يصلي ركعتين خفيفتين ، كما في "صحيح مسلم " ، عن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ) .

وأمر بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( إذا قام أحدكم من الليل ، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ) رواه مسلم .

وكان يقوم تارة إذا انتصف الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل ، وربما كان يقوم إذا سمع الصارخ وهو الديك وهو إنما يصيح في النصف الثاني ، وكان يقطع ورده تارة ، ويصله تارة وهو الأكثر ، ويقطعه كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده ، ( أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ ، فتسوك ، وتوضأ ، وهو يقول : ( إن في خلق السماوات ) [ ص: 318 ] ( والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) [ آل عمران : 190 ] . فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة ، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ، ثم انصرف ، فنام حتى نفخ ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات ، كل ذلك يستاك ويتوضأ ، ويقرأ هؤلاء الآيات ، ثم أوتر بثلاث ، فأذن المؤذن ، فخرج إلى الصلاة وهو يقول : ( اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي لساني نورا ، واجعل في سمعي نورا ، واجعل في بصري نورا ، واجعل من خلفي نورا ، ومن أمامي نورا ، واجعل من فوقي نورا ، ومن تحتي نورا ، اللهم أعطني نورا ) رواه مسلم .

ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة ، فإما أنه كان يفعل هذا تارة ، وهذا تارة ، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظ ابن عباس ، وهو الأظهر لملازمتها له ، ولمراعاتها ذلك ، ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل ، وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته ، وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه بالليل ، فالقول ما قالت عائشة .

وكان قيامه بالليل ووتره أنواعا ، فمنها هذا الذي ذكره ابن عباس .

النوع الثاني : الذي ذكرته عائشة ، أنه ( كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ، ثم يتمم ورده إحدى عشرة ركعة ، يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة )

النوع الثالث ثلاث عشرة ركعة كذلك .

النوع الرابع : ( يصلي ثمان ركعات ، يسلم من كل ركعتين ، ثم يوتر بخمس سردا متوالية ، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن )

النوع الخامس : تسع ركعات ، يسرد منهن ثمانيا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة ، يجلس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ثم [ ص: 319 ] يصلي التاسعة ، ثم يقعد ، ويتشهد ، ويسلم ، ثم يصلي ركعتين جالسا بعدما يسلم .

النوع السادس : يصلي سبعا كالتسع المذكورة ، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا .

النوع السابع أنه كان يصلي مثنى مثنى ، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن .

فهذا رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة ، أنه ( كان يوتر بثلاث لا فصل فيهن )

وروى النسائي عنها : ( كان لا يسلم في ركعتي الوتر ) . وهذه الصفة فيها نظر ، فقد روى أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا توتروا بثلاث ، أوتروا بخمس أو سبع ، ولا تشبهوا بصلاة المغرب ) . قال الدارقطني : رواته كلهم ثقات ، قال مهنا : سألت أبا عبد الله : إلى أي شيء تذهب في الوتر ، تسلم في الركعتين؟ قال : نعم . قلت : لأي شيء؟ قال : لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين . الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن [ ص: 320 ] النبي صلى الله عليه وسلم ، ( سلم من الركعتين )

وقال حرب : سئل أحمد عن الوتر؟ قال : يسلم في الركعتين . وإن لم يسلم ، رجوت ألا يضره ، إلا أن التسليم أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو طالب : سألت أبا عبد الله : إلى أي حديث تذهب في الوتر؟ قال : أذهب إليها كلها : من صلى خمسا لا يجلس إلا في آخرهن ، ومن صلى سبعا لا يجلس إلا في آخرهن ، وقد روي في حديث زرارة عن عائشة : يوتر بتسع يجلس في الثامنة .

قال : ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة ، فأنا أذهب إليها . قلت : ابن مسعود يقول : ثلاث ، قال : نعم ، قد عاب على سعد ركعة ، فقال له سعد أيضا شيئا ؛ يرد عليه .

النوع الثامن : ما رواه النسائي ، عن حذيفة ، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فركع ، فقال في ركوعه : ( سبحان ربي العظيم ) مثل ما كان قائما ، ثم جلس يقول : ( رب اغفر لي ، رب اغفر لي ) مثل ما كان قائما . ثم سجد ، فقال : ( سبحان ربي الأعلى ) مثل ما كان قائما ، فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة ، وأوتر أول الليل ، ووسطه ، وآخره . وقام ليلة تامة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) [ المائدة 118 ] .

[ ص: 321 ] وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع .

أحدها - وهو أكثرها : صلاته قائما .

الثاني : أنه كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا .

الثالث : أنه كان يقرأ قاعدا ، فإذا بقي يسير من قراءته ، قام فركع قائما ، والأنواع الثلاثة صحت عنه .

وأما صفة جلوسه في محل القيام ، ففي "سنن النسائي " ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة قالت : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا ) قال النسائي : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي داود ، يعني الحفري ، وأبو داود ثقة ، ولا أحسب إلا أن هذا الحديث خطأ ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث