الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              4950 5248 - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن أبي حازم قال اختلف الناس بأي شيء دووي جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، فسألوا سهل بن سعد الساعدي، وكان من آخر من بقي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فقال وما بقي من الناس أحد أعلم به مني، كانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم عن وجهه، وعلي يأتي بالماء على ترسه، فأخذ حصير، فحرق فحشي به جرحه. [انظر: 243 - مسلم: 1790 - فتح: 9 \ 343].

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث سهل بن سعد.

                                                                                                                                                                                                                              وقد سلف في الطهارة قبيل الغسل ، وهذه الآية نزلت بعد الحجاب، وهو نزل بعد أحد بسنتين، وكان سهل إذ ذاك صغيرا. والزينة: الوجه والكفان. وقيل: واليدان إلى المرفقين. وأورد هنا قصة فاطمة لغسلها الدم عن وجه أبيها، وإبدائها له وجهها.

                                                                                                                                                                                                                              وقولها: (فأخذ حصير فأحرق). كذا في الأصول. وفي نسخة: فحرق.

                                                                                                                                                                                                                              بضم الحاء وتشديد الراء، على وجه التكثير أو تعدية، قال الله تعالى: لنحرقنه ثم لننسفنه [طه: 97] وقرئ بضم الراء: من الغيظ ، يقال: هو محرق عليك الأرم غيظا : إذا حك أسنانه بعضها ببعض.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 161 ] فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قال المهلب: إنما أبيح للنساء أن يبدين زينتهن; لما ذكر في هذه الآية من أجل الحرمة التي لهن من القرابة والمحرم، إلا في العبيد فإن الحرمة إنما هي من جهة السيادة وأن العبد لا تتطاول عينه إلى سيدته، فهي حرمة ثابتة في نفسه، أبيح للمرأة من إظهار الزينة ما أبيح إلى أبيها وابنها وذوي الحرمة منها، مع أنه لا يظن بحرة الانحطاط إلى عبد، هذا المعلوم من نساء العرب والأكثر في العرف والعادة، وسئل سعيد بن جبير: هل يجوز للرجل أن يرى شعر ختنته؟ فتلا قوله هذه الآية، فقال: لا أراه فيهم.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الطبري: في الآية إخوانهن : جمع أخ، وأخوة جمع أخ أيضا، كما يجمع فتى وفتيان، ويجمع فتية أيضا. وسئل عكرمة والشعبي عن هذه الآية لا جناح عليهن في آبائهن إلى قوله: أيمانهن [الأحزاب: 55] قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قال: لأنهما تبع لآبائهما، وكرها أن تضع خمارها عند عمها وخالها . ومن رأى العم والخال داخلين في جملة الآباء أجاز ذلك. وقال النخعي: لا بأس أن ينظر إلى شعر أمه وعمته وخالته.

                                                                                                                                                                                                                              وذكر إسماعيل عن الحسن والحسين أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل. وقال إسماعيل: أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم (يذكروا) في الآية التي في أمهات المؤمنين، وهي قوله: لا جناح

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 162 ] عليهن في آبائهن
                                                                                                                                                                                                                              [الأحزاب: 55]، قال: ولا يبدين زينتهن الآية [النور: 31]، فذهب ابن عباس إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين إلى الآية الأخرى.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ولا نسائهن [الأحزاب: 55] يعني: ولا حرج عليهن ألا يحتجبن من نساء المؤمنين. وروي عن (ابن عمر) - رضي الله عنهما - أنه كتب إلى عماله ألا تترك امرأة من أهل الذمة أن تدخل الحمام مع المسلمات، واحتج بهذه الآية .

                                                                                                                                                                                                                              واختلف السلف في قوله تعالى: أو ما ملكت أيمانهن [النور: 31] قال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية، إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وهو قول عطاء ومجاهد. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته . فدل على أن الآية عنده على العموم في المماليك والخدم، قاله إسماعيل، وهذا على القولين، فكانت عائشة وسائر أمهات المؤمنين يدخلن عليهن مماليكهن.

                                                                                                                                                                                                                              قال إسماعيل: وإنما جاز للمملوك أن ينظر إلى شعر مولاته ما دام مملوكا; لأنه لا يجوز له أن يتزوجها ما دام مملوكا، وهو كذوي المحارم، كما لا يجوز لذوي المحارم بها أن يتزوجوهن، ولا يدخل العبد في المحرم الذي يجوز للمرأة أن تسافر معه; لأن حرمته منها لا تدوم، وقد يمكن أن تعتقه في سفرها فيحل له (تزويجها) .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 163 ] فإن قلت: فحديث أم عطية: كنا نداوي الكلمى . والحديث الآخر أن النساء كن ينقلن القرب على متونهن، وسوقهن مكشوفات، حتى يرى خدم سوقهن في المغازي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يخالف الآية وحديث سهل.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: لا; لأنه إن صح أن ما ظهر من سوقهن غير الخدم، مما لا يجوز كشفه، فالأحاديث منسوخة بسورة النور والأحزاب; لأنهما من آخر ما نزل بالمدينة من القرآن، وإجماع الأمة أنه غير جائز للمرأة أن تظهر شيئا من عوراتها لذي رحمها، فكيف (بالأجانب) وكذلك لا يجوز لها أن تظهر عورتها للنساء أيضا .

                                                                                                                                                                                                                              ونقل ابن التين عن مالك أنه لا بأس أن يرى المكاتب شعر سيدته إن كان وغدا، وكذلك العبد . وقال محمد بن عبد الحكم: يرى شعر سيدته إن كان وغدا ولا يخلو معها في بيت، واختلف في عبد زوجها وعبد الأجنبي.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية