الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 395 ] الحديث الثامن عشر عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، وفي بعض النسخ : حسن صحيح .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن أبي ذر ، وخرجه أيضا بهذا الإسناد ، عن ميمون ، عن معاذ ، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان أنه قال : حديث أبي ذر أصح . فهذا الحديث قد اختلف في إسناده وقيل فيه : عن حبيب ، عن ميمون : أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بذلك ، مرسلا ، ورجح الدارقطني هذا المرسل . وقد حسن الترمذي هذا الحديث ، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه ، فبعيد ، ولكن الحاكم خرجه ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وهو وهم من وجهين : أحدهما : أن ميمون بن أبي شبيب ، ويقال : ابن شبيب لم يخرج له البخاري في " صحيحه " شيئا ، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثا عن [ ص: 396 ] المغيرة بن شعبة . والثاني : أن ميمون بن أبي شبيب لم يصح سماعه من أحد من الصحابة ، قال الفلاس : ليس في شيء من رواياته عن الصحابة " سمعت " ولم أخبر أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو حاتم الرازي : روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة . وقال أبو داود : لم يدرك عائشة ، ولم ير عليا ، وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولى . وروى البخاري وشيخه علي بن المديني ، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديث لا يتصل إلا بصحة اللقي ، وكلام الإمام أحمد يدل على ذلك ، ونص عليه الشافعي في " الرسالة " وهذا كله خلاف رأي مسلم رحمه الله . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى بهذه الوصية معاذا وأبا ذر من وجوه أخر ، فخرج البزار من حديث أبي لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم ، فقال : يا رسول الله أوصني ، قال : أفش السلام ، وابذل الطعام ، واستحي من الله استحياء رجل ذي هيئة من أهلك ، وإذا أسأت فأحسن ، وليحسن خلقك ما استطعت . وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : أن [ ص: 397 ] معاذ بن جبل أراد سفرا ، فقال : يا رسول الله أوصني قال : اعبد الله ، ولا تشرك به شيئا " قال : يا رسول الله زدني ، قال : " إذا أسأت فأحسن " قال : يا رسول الله زدني ، قال : " استقم ولتحسن خلقك " . وخرج الإمام أحمد من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته ، وإذا أسأت فأحسن ، ولا تسألن أحدا شيئا وإن سقط سوطك ، ولا تقبض أمانة ، ولا تقض بين اثنين . وخرج أيضا من وجه آخر عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من النار ، قال : إذا عملت سيئة ، فاعمل حسنة ، فإنها عشر أمثالها قال : قلت : يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله ؟ قال : هي أحسن الحسنات . وخرج ابن عبد البر في " التمهيد " بإسناد فيه نظر عن أنس قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن ، فقال : " يا معاذ اتق الله ، وخالق الناس بخلق حسن ، وإذا عملت سيئة ، فأتبعها حسنة " فقال : قلت : يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات ؟ قال : " هي من أكبر الحسنات " . وقد رويت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره بسياق مطول من وجوه فيها ضعف . ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : ما أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قال : تقوى الله وحسن الخلق خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ، وابن حبان في " صحيحه " . [ ص: 398 ] فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده ، فإن حق الله على عباده أن يتقوه حق تقاته ، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين . قال تعالى : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله [ النساء : 131 ] . وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه ، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه . وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل ، كقوله تعالى : واتقوا الله الذي إليه تحشرون [ المائدة : 96 ] ، وقوله : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون [ الحشر : 18 ] ، فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه وتعالى ، فالمعنى : اتقوا سخطه وغضبه ، وهو أعظم ما يتقى ، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي ، قال تعالى : ويحذركم الله نفسه [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : هو أهل التقوى وأهل المغفرة [ المدثر : 56 ] ، فهو سبحانه أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه ، لما يستحقه من الإجلال والإكرام ، وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش ، وشدة البأس . وفي الترمذي عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو أهل التقوى وأهل المغفرة [ المدثر : 56 ] قال : قال الله تعالى : " أنا أهل أن أتقى ، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له " . [ ص: 399 ] وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه ، كالنار ، أو إلى زمانه ، كيوم القيامة ، كما قال تعالى : واتقوا النار التي أعدت للكافرين [ آل عمران : 131 ] ، وقال تعالى : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين [ البقرة : 24 ] ، وقال تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا [ البقرة : 48 ، 123 ] .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث