الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زكاة الحلي

( قال : ) وإن كان له عشرة مثاقيل ذهب ومائة درهم ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب عندنا ، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يضم أحدهما إلى الآخر بل يعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما على حدة ; لأنهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما إلى الآخر ليكمل النصاب كالسوائم ، وبيان الوصف من حيث الحقيقة غير مشكل ومن حيث المعنى أنه لا يجري بينهما ربا الفضل .

( ولنا ) حديث بكير بن عبد الله بن الأشج رضي الله عنه قال : { من السنة أن يضم الذهب إلى الفضة لإيجاب الزكاة ، ومطلق السنة ينصرف إلى [ ص: 193 ] سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم } ولأنهما مالان يكمل نصاب أحدهما بما يكمل به نصاب الآخر فيكمل نصاب أحدهما بالآخر كالسود مع البيض والنيسابوري من الدنانير مع الهروي ، وبيان الوصف أن نصاب كل واحد منهما يكمل بمال التجارة ، وهذا لأنهما وإن كانا جنسين مختلفين صورة ففي حكم الزكاة هما جنس واحد حتى يتفق الواجب فيهما فيتقدر بربع العشر على كل حال ووجوب الزكاة فيهما باعتبار معنى واحد وهو المالية القائمة باعتبار أصلهما فإذا وجبت الزكاة عند ضم أحدهما إلى الآخر اختلفت الرواية فيما يؤدى فروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه يؤدي من مائة درهم درهمين ونصفا ومن عشرة مثاقيل ذهب ربع مثقال وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ، ووجهه أنه أقرب إلى المعادلة والنظر من الجانبين وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى في رواية أخرى أنه يقوم أحدهما بالآخر ثم يؤدي الزكاة من نوع واحد وهذا أقرب إلى موافقة نصوص الزكوات . ثم اختلفوا في كيفية الضم ، فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار القيمة ، وقال أبو يوسف ومحمد باعتبار الأجزاء وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ذكره في نوادر هشام رحمه الله تعالى . وبيان ذلك أنه إذا كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب تساوي مائة درهم أو خمسون درهما وعشرة مثاقيل ذهب تساوي مائة وخمسين درهما فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يضم أحدهما إلى الآخر وتجب الزكاة وعندهما يضم باعتبار الأجزاء ، وقد ملك نصف نصاب أحدهما وربع نصاب الآخر فلا يجب فيهما شيء ثم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر في التقويم منفعة الفقراء كما هو أصله حتى روي عنه أنه إذا كان للرجل مائة وخمسة وتسعون درهما ودينار يساوي خمسة دراهم أنه تجب الزكاة ، وذلك بأن يقوم الذهب بالفضة .

وجه قولهما أن التقويم في النقود ساقط الاعتبار كما في حقوق العباد فإن سائر الأشياء تقوم بها ، ألا ترى أن من ملك إبريق فضة وزنه مائة وخمسون وقيمته مائتا درهم لا يجب فيه الزكاة ولو كان للتقويم عبرة في باب الزكاة من الذهب والفضة لوجبت الزكاة ههنا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هما عينان وجب ضم أحدهما إلى الآخر لإيجاب الزكاة فكان الضم باعتبار القيمة كعروض التجارة ، وهذا لأن كمال النصاب لا يكون إلا عند اتحاد الجنس ، وذلك لا يكون إلا باعتبار صفة المالية دون العين فإن الأموال أجناس باعتبار أعيانها جنس واحد [ ص: 194 ] باعتبار صفة المالية فيها وهذا بخلاف الإبريق فإنه ما وجب ضمه إلى شيء آخر حتى تعتبر فيه القيمة ، وهذا لأن القيمة في الذهب والفضة إنما تظهر شرعا عند مقابلة أحدهما بالآخر فإن الجودة والصنعة لا قيمة لها إذا قوبلت بجنسها لقوله صلى الله عليه وسلم { : جيدها ورديئها سواء } .

فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر فيظهر للجودة قيمة ، ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم الذهب والفضة في حقوق العباد يقوم بخلاف جنسه فكذا في حقوق الله تعالى وجميع ما ذكرنا في نصاب الذهب والفضة المعتبر فيهما الوزن دون العدد ; لأن في النص ذكر الدرهم والدينار وهو يشتمل على ما لا يعلم إلا بالوزن من الدوانيق والحبات ، والمعتبر في الدنانير وزن المثقال ، وفي الدراهم وزن سبعة وهو أن يكون كل عشرة منها بوزن سبعة مثاقيل وهو الوزن المعروف في الدراهم في غالب البلدان وأصله وهو أنه كان في الجاهلية نوعان من الدراهم يقال لهما مثاقيل وخفاف فلما أرادوا في الإسلام ضرب الدراهم جمعوا أحدهما إلى الآخر وجعلوه درهمين فكان وزن سبعة ولم يبين في الكتاب صفة الدراهم . وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن الزكاة تجب في الجياد من الدراهم والزيوف والمبهرجة والمكحلة والمزيفة ، قال : لأن الغالب في كلها الفضة وما يغلب فضته على غشه يتناوله اسم الدراهم مطلقا ، أما في الستوقة وهو ما يغلب غشه على فضته نظر إلى ما يخلص منه من الفضة فإن بلغ وزنه مائتي درهم تجب فيها الزكاة ، وإلا فلا ومراده إذا لم تكن للتجارة فإن كانت تلك الدراهم للتجارة ، فالعبرة بقيمتها كما في عروض التجارة ، وقد ذكر في روايته في الفلوس والدراهم المضروبة من الصفر إذا كان لا يخلص منها فضة فإن لم تكن للتجارة فلا شيء فيها وإن كانت للتجارة فإن بلغت قيمتها مائتي درهم مما يغلب فيها الفضة ففيها الزكاة ، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله تعالى يفتي بوجوب الزكاة في المائتين من الدراهم الغطريفية عددا وكان يقول هي من أعز النقود فينا بمنزلة الفضة فيهم ونحن أعرف بنقودنا وهو اختيار شيخنا الإمام الحلواني رحمه الله تعالى وهو الصحيح عندي

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث