الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زكاة الحلي

( قال : ) رجل له على رجل ألف درهم قرض أو ثمن متاع كان للتجارة فحال الحول ووجبت الزكاة عليه لا يلزمه الأداء قبل القبض عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يلزمه الأداء ; لأن صيرورة المال دينا كان بتصرفه واختياره ، وذلك غير معتبر في تأخير حق الفقراء فإنه كما لا يملك إبطال حقهم لا يملك التأخير ولأن هذا مال مملوك كالعين .

( ولنا ) أن [ ص: 195 ] الواجب جزء من النصاب فإذا كان النصاب دينا فيده مقصورة عما هو حق الفقراء فلا يلزمه الأداء ما لم تصل يده إليه بالقبض كابن السبيل . ثم الديون على ثلاث مراتب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : دين قوي وهو ما يكون بدلا عن مال كان أصله للتجارة لو بقي في ملكه ، ودين وسط وهو أن يكون بدلا عن مال لا زكاة فيه لو بقي في ملكه كثياب البذلة والمهنة ، ودين ضعيف وهو ما يكون بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ففي الدين القوي لا يلزمه الأداء ما لم يقبض أربعين درهما فإذا قبض المقدار أدى درهما وكذلك كلما قبض أربعين درهما ، وفي الدين المتوسط لا يلزمه الأداء ما لم يقبض مائة درهم فحينئذ يؤدي خمسة دراهم ، وفي الدين الضعيف لا تلزمه الزكاة ما لم يقبض ويحول الحول عنده . وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - أن الدين نوعان وجعل الوسط كالضعيف وهو اختيار الكرخي على ما ذكره في المختصر ، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - : الديون كلها سواء لا تجب الزكاة فيها قبل القبض وكلما قبض شيئا يلزمه الأداء بقدره قل أو كثر ما خلا دين الكتابة فإنه لا يجب عليه فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض ، وذكر الكرخي أن المستثنى عندهما دينان الكتابة والدية على العاقلة .

وجه قولهما أن الديون في المالية كلها سواء من حيث إن المطالبة تتوجه بها في الحياة وبعد الوفاة وتصير مالا بالقبض حقيقة فتجب الزكاة في كلها ويلزمه الأداء بقدر ما يصل إليه كابن السبيل بخلاف دين الكتابة فإنه ليس بدين على الحقيقة حتى لا تتوجه المطالبة به ولا تصح الكفالة به ، وهذا لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا ، وكذلك الدية على العاقلة وجوبها بطريق الصلة لا أنه دين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات من العاقلة . وجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن ما هو بدل عما ليس بمال فملك المالية يثبت فيه ابتداء فهو دين والدين ليس بمال على الحقيقة حتى لو حلف صاحبه أن لا مال له لا يحنث في يمينه ، وإنما تتم المالية فيه عند تعيينه بالقبض فلا يصير نصاب الزكاة ما لم تثبت فيه صفة المالية ، والحول لا ينعقد إلا على نصاب الزكاة فأما ما كان بدلا عن مال التجارة فملك المالية كان تاما في أصله قبل أن يصير دينا فبقي على ما كان ; لأن الخلف يعمل عمل الأصل فيجب فيه الزكاة قبل القبض ولكن وجوب الأداء يتوقف على القبض ونصاب الأداء يتقدر بأربعين درهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما بينا في الزيادة على المائتين وأما بدل ثياب البذلة والمهنة فذهب الكرخي إلى أن [ ص: 196 ] أصله لم يكن مالا شرعا حتى لم يكن محلا للزكاة فهو وما لم يكن أصله مالا على الحقيقة سواء . وجه ظاهر الرواية أنه أخذ شبها من أصلين من عروض التجارة باعتبار أن أصله مال على الحقيقة ومن المهر باعتبار أن أصله ليس بمال في حكم الزكاة شرعا فيوفر حظه منهما ، ويقال أن وجوب الزكاة فيه ابتداء فيعتبر في المقبوض أن يكون نصاب الزكاة وهو المائتان ويجب فيها الزكاة قبل القبض من حيث إن ملك المالية لم يثبت في الدين ابتداء . وفي الأجرة ثلاث روايات عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في رواية جعلها كالمهر ; لأنها ليست ببدل عن المال حقيقة ; لأنها بدل عن المنفعة ، وفي رواية جعلها كبدل ثياب البذلة ; لأن المنافع مال من وجه لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه . والأصح أن أجرة دار التجارة أو عبد التجارة بمنزلة ثمن متاع التجارة كلما قبض منها أربعين تلزمه الزكاة اعتبارا لبدل المنفعة ببدل العين .

وإن كان الدين وجب له بميراث أو وصية أوصي له به ففي كتاب الزكاة جعله كالدين الوسط ، وقال : إذا قبض مائتي درهم تلزمه الزكاة لما مضى ; لأن ملك الوارث ينبني على ملك المورث ، وقد كان في ملك المورث بدلا عما هو مال ، وفي نوادر الزكاة جعله كالدين الضعيف ; لأن الوارث ملكه ابتداء وهو دين فلا تجب فيه الزكاة حتى يقبض ويحول عليه الحول عنده وإن كان الدين ضمان قيمة عبد أعتق شريكه نصيبه منه فاختار تضمينه فهذا والدين الواجب بسبب بيعه نصيبه من شريكه سواء ; لأن هذا الضمان يوجب الملك لشريكه في نصيبه وإن كان الدين سعاية لزم ذمة العبد بعتق شريكه وهو معسر ففي الكتاب يقول هو ودين الكتابة سواء لا يجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض ، قيل : هو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن المستسعى عنده مكاتب ، فأما عندهما فالمستسعى حر عليه دين فيجب فيه الزكاة عندهما قبل القبض ، وقيل : هو قولهم جميعا وعذرهما أن سبب وجوب هذا الدين لم يكن من العبد فكان صلة في حقه فلا يتم الملك فيه إلا بالقبض كالدية على العاقلة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث