الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ومما يورد في هذا الموضع :

أن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة ، ولم يعدوها قسما واحدا مذموما ، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم .

وبسط ذلك القرافي بسطا شافيا وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عز الدين بن عبد السلام ، وها أنا آتي به على نصه ، فقال :

" اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع ، نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره ، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام :

قسم واجب : وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع; كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع ، فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا ، وإهمال ذلك حرام إجماعا ، فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في وجوبه .

القسم الثاني المحرم : وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة ، كالمكوس ، والمحدثات من المظالم ، والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة; كتقديم الجهال على العلماء ، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح بطريق التوريث ، وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه ، وهو في نفسه ليس بأهل .

[ ص: 242 ] القسم الثالث أن من البدع ما هو مندوب إليه : وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته; كصلاة التراويح ، ولإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم; بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس ، وكان الناس في زمن الصحابة رضي الله عنهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسبق الهجرة ، ثم اختل النظام ، وذهب ذلك القرن ، وجد قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور ، فتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح .

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح ، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم; لعلمه بأن الحالة التي هو عليها دون غيره لو عملها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه ، وتجاسروا عليه بالمخالفة ، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام .

ولذلك لما قدم الشام; وجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب ، واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية ، وسلك ما سلكه الملوك ، فسأله عن ذلك ؟ فقال : " إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا " . فقال له : " لا آمرك ولا أنهاك " ، ومعناه : أنت أعلم بحالك : هل أنت محتاج إلى هذا فيكون ، أو غير محتاج إليه ؟

فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والقرون وأحوال أهلها ، فكذلك يحتاج إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة ، وربما وجبت في بعض الأحوال .

[ ص: 243 ] القسم الرابع : بدعة مكروهة : وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها; كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة .

ولذلك ورد في الصحيح [ شاهد ] خرجه مسلم وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام ، أو ليلة بقيام .

ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات; كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثا وثلاثين ، فتفعل مائة ، وورد صاع في زكاة الفطر ، فيجعل - عشرة أصوع ; بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع ، وقلة أدب معه ، بل شأن العظماء إذا حددوا شيئا; وقف عنده وعد الخروج عنه قلة أدب .

والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع; لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه .

ولذلك نهى مالك رضي الله عنه عن إيصال ستة أيام من شوال; لئلا يعتقد أنها من رمضان .

وخرج أبو داود في " مسنده " : أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى الفرض ، وقام ليصلي ركعتين ، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك ، فهكذا من قبلنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصاب الله بك يا ابن الخطاب ; يريد عمر : إن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض ، واعتقدوا الجميع واجبا ، وذلك تغيير [ ص: 244 ] للشرائع ، وهو حرام إجماعا .

القسم الخامس : البدع المباحة : وهي ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من الشريعة ، كاتخاذ المناخل للدقيق ، ففي الآثار : أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخاذ المناخل ; لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات ، فوسائله مباحة .

فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته ، فأي شيء تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به ، من إيجاب أو تحريم أو غيرها ، وإن نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر فيما يتقاضاها; كرهت; فإن الخير كله في الاتباع ، والشر كله في الابتداع انتهى ما ذكره القرافي .

وذكر شيخه في " قواعده " في فصل البدع منها بعدما قسم أحكامها إلى الخمسة : أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة ، فإن دخلت في قواعد الإيجاب; فهي واجبة . . . . . . .

إلى أن قال : " وللبدع الواجبة أمثلة :

( أحدها ) : الاشتغال [ بـ ] الذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسوله ، وذلك واجب; لأن حفظ الشريعة واجب .

( والثاني ) : حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة .

( والثالث ) : تدوين أصول الفقه .

( والرابع ) : الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم .

[ ص: 245 ] ثم قال : " وللبدع المحرمة أمثال : ( منها ) : مذهب القدرية ومذهب الجبرية والمرجئة والمجسمة ، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة .

قال : وللمندوب أمثلة : ( منها : ) إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر ، ( ومنها : ) كل إحسان لم يعهد في الصدر الأول ، ( ومنها ) الكلام في دقائق التصوف والكلام في الجدل . ( ومنها ) جمع المحافل ، للاستدلال في المسائل ، إن قصد بذلك وجهه تعالى .

قال : وللمكروهة ؛ أمثلة : ( ومنها : ) زخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف ، وأما تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي فالأصح أنه من البدع المحرمة .

قال : " وللبدع المباحة أمثلة : ( ومنها : ) المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر ، ( ومنها : ) التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام ، وقد اختلف في بعض ذلك ، فجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ، وجعله آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده; كالاستعاذة والبسملة في الصلاة " ، انتهى محصول ما قال .

وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة ، فلا يصح أن تحمل أدلة ذم البدع على العموم ، بل لها مخصصات .

[ ص: 246 ] والجواب :

أن هذا التقسيم أمر مخترع ، لا يدل عليه دليل شرعي ، بل هو نفسه متدافع; لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي; لا من نصوص الشرع ، ولا من قواعده .

إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة; لما كان ثم بدعة ، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها ، فالجمع بين [ كون ] تلك الأشياء بدعا ، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين .

أما المكروه منها والمحرم; فمسلم من جهة كونها بدعا لا من جهة أخرى ، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته; لم يثبت بذلك كونه بدعة; لإمكان أن يكون معصية; كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها ، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ألبتة ، إلا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه .

فما ذكر القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح ، وما قسمه فيها غير صحيح .

ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع .

وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل; فإن كلام ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعا; بناء والله أعلم على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة ، وإن كانت تلائم قواعد [ ص: 247 ] الشرع فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها بتسمية لها بلفظ " البدع " ، وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد ، ولما بنى على اعتماد تلك القواعد; استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة ، وصار من القائلين بالمصالح المرسلة ، وسماها بدعا في اللفظ; كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

أما القرافي; فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه ، ولا على مراد الناس; لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم ، فصار مخالفا للإجماع .

ثم نقول :

أما قسم الواجب; فقد تقدم ما فيه آنفا ، فلا نعيده .

وأما قسم التحريم; فليس فيه ما هو بدعة هكذا بإطلاق ، بل ذلك كله مخالفة للأمر المشروع ، فلا يزيد على تحريم أكل المال بالباطل إلا من جهة كونه موضوعا على ميزان الأحكام الشرعية اللازمة; كالزكوات المفروضة ، والنفقات المقدرة ، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ، وقد تقدم في الباب الأول منه طرف .

فإذا; لا يصح أن يطلق القول في هذا القسم بأنه بدعة أن يقسم الأمر كذلك .

وأما قسم المندوب; فليس من البدع بحال :

[ ص: 248 ] وتبين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد ، فقد قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، واجتمع الناس خلفه .

فخرج أبو داود عن أبي ذر ; قال : صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان ، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع ، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة; لم يقم بنا; فلما كانت الخامسة; قام بنا حتى ذهب شطر الليل ، فقلنا : يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة ؟ قال : فقال : " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة " ، قال : فلما كانت الرابعة; لم يقم ، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، قال : قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور . ثم لم يقم بنا بقية الشهر .

ونحوه في الترمذي ، وقال فيه حسن صحيح .

لكنه عليه السلام لما خاف افتراضه على الأمة; أمسك عن ذلك ، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى القابلة ، فكثر الناس ، ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة; فلم يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح; قال : " قد رأيت الذي صنعتم ، فلم يمنعني من الخروج إلا أني [ ص: 249 ] خشيت أن يفرض عليكم ، وذلك في رمضان .

وخرجه مالك في الموطأ .

فتأملوا; ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة; فإن قيامه أولا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان ، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقا; لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع ، فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام ، فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم; رجع الأمر إلى أصله ، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له .

وإنما لم يقم ذلك أبو بكر رضي الله عنه لأحد أمرين : إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ، ذكره الطرطوشي ، وإما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه الفروع ، مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو آكد من صلاة التراويح .

فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه ، ورأى الناس في المسجد أوزاعا كما جاء في الخبر قال : لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل ، فلما تم له ذلك; نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل .

ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره ، والأمة لا تجتمع على ضلالة .

[ ص: 250 ] وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي .

فإن قيل : فقد سماها عمر رضي الله عنه بدعة وحسنها بقوله : نعمت البدعة هذه ، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع; ثبت مطلق الاستحسان في البدع .

فالجواب : إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال; من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه ، لا أنها بدعة في المعنى ، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار; فلا مشاحة في الأسامي ، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه; لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه :

فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به; خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم " .

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال; رحمة بالأمة; وقال : إني لست كهيئتكم ، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، وواصل الناس بعده; لعلمهم بوجه علة النهي حسبما يأتي إن شاء الله تعالى .

وذكر القرافي من جملة الأمثلة إقامة صور الأئمة والقضاة . . . . إلخ ما قال ، وليس ذلك من قبيل البدع بسبيل :

أما أولا; فإن التجمل بالنسبة إلى ذوي الهيئات والمناصب الرفيعة مطلوب ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يتجمل بها للوفود ، ومن العلة في ذلك ما قاله القرافي من أن ذلك أهيب وأوقع في النفوس التعظيم في الصدور ، [ ص: 251 ] ومثله التجمل للقاء العظماء; كما جاء في حديث أشج عبد القيس .

وأما ثانيا; فإن سلمنا أن لا دليل عليه بخصوصه; فهو من قبيل المصالح المرسلة ، وقد مر أنها ثابتة في الشرع .

وما قاله من أن عمر كان يأكل خبز الشعير ويفرض لعامله نصف شاة; فليس فيه تفخيم صورة الإمام ولا عدمه ، بل فرض له ما يحتاج إليه خاصة ، وإلا فنصف شاة لبعض العمال قد لا يكفيه; لكثرة عيال ، وطروق ضيف ، وسائر ما يحتاج إليه من لباس وركوب وغيرهما ، فذلك قريب من أكل الشعير في المعنى .

وأيضا; فإن ما يرجع إلى المأكول والمشروب لا تجمل فيه بالنسبة إلى الظهور للناس .

وقوله : " فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة ، وربما وجبت في بعض الأحوال " ; مفتقر إلى التأمل ، ففيه على الجملة أنه مناقض لقوله في آخر الفصل : " الخير كله في الاتباع ، والشر كله في الابتداع " ، مع ما ذكره قبله .

فهذا كلام يقتضي أن الابتداع شر كله ، فلا يمكن أن يجتمع مع فرض الوجوب ، وهو قد ذكر أن البدعة قد تجب ، وإذا وجبت; لزم العمل بها ، وهي لما فاتت ضمن الشر كله; فقد اجتمع فيها الأمر بها والأمر بتركها ، ولا يمكن فيهما الانفكاك وإن كانا من جهتين ; لأن الوقوع يستلزم الاجتماع ، وليسا كالصلاة في الدار المغصوبة; لأن الانفكاك في [ ص: 252 ] الوقوع ممكن ، وهاهنا إذا وجبت فإنما تجب على الخصوص ، وقد فرض أن الشر فيها على الخصوص; فلزم التناقض ، وأما على التفصيل; فإن تجديد الزخارف فيه من الخطأ ما لا يخفى .

وأما السياسات; فإن كانت جارية على مقتضى الدليل الشرعي; فليست ببدع ، وإن خرجت عن ذلك; فكيف يندب إليها ؟ وهي مسألة النزاع .

وذكر في قسم المكروه أشياء هي من قبيل البدع في الجملة ، ولا كلام فيها ، أو من قبيل الاحتياط على العبادات المحضة أن لا يزاد فيها ولا ينقص منها ، وذلك صحيح; لأن الزيادة فيها والنقصان منها بدع منكرة ، فحالتها وذرائعها يحتاط بها في جانب النهي .

وذكر في قسم المباح مسألة المناخل ، وليست في الحقيقة من البدع ، بل هي من باب التنعم ، ولا يقال فيمن تنعم بمباح : إنه قد ابتدع ، وإنما يرجع ذلك إذا اعتبر إلى جهة الإسراف في المأكول; لأن الإسراف كما يكون في جهة الكمية ، كذلك يكون في جهة الكيفية ، فالمناخل لا تعدو القسمين ، فإن كان الإسراف من ماله ، فإن كره ، وإلا اغتفر ، مع أن الأصل الجواز .

ومما يحكيه أهل التذكير من الآثار أن أول ما أحدث الناس أربعة أشياء : المناخل ، والشبع ، وغسل اليدين بالأشنان بعد الطعام ، والأكل على الموائد .

وهذا كله إن ثبت نقلا ليس ببدعة ، وإنما يرجع إلى أمر آخر [ ص: 253 ] وإن سلم أنه بدعة ؛ فلا نسلم أنها مباحة ، بل هي ضلالة ، ومنهي عنها ، ولكنا نقول بذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث