الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        المسألة الحادية والعشرون

                        أن هذا الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص ؟ وذلك أنه يمكن أن بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب صاحبها جدا ، ومنها ما لا يكون كذلك ، فالبدعة الفلانية مثلا من شأنها أن تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب بصاحبه والبدعة الفلانية ليست [ ص: 787 ] كذلك ، فبدعة الخوارج مثلا في طرف الإشراب كبدعة المنكرين للقياس في الفروع الملتزمين الظاهر في الطرف الآخر ، ويمكن أن يتجارى ذلك في كل بدعة على العموم فيكون من أهلها من تجارت به كما يتجارى الكلب بصاحبه ، كعمرو بن عبيد ، حسبما تقدم النقل عنه أنه أنكر بسبب القول به سورة تبت يدا أبي لهب وقوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيدا ومنهم من لم يبلغ به الحال إلى هذا النحو كجملة من علماء المسلمين ، كالفارسي النحوي وابن جني .

                        والثاني : بدعة الظاهرية فإنها تجارت بقوم حتى قالوا عند ذكر قوله تعالى : على العرش استوى قاعد ! قاعد ! وأعلنوا بذلك وتقاتلوا عليه ، ولم يبلغ بقوم آخرين ذلك المقدار ، كداود بن علي في الفروع وأشباهه .

                        والثالث : بدعة التزام الدعاء بإثر الصلوات دائما على الهيئة الاجتماعية ، فإنها بلغت بأصحابها إلى أن كان الترك لها موجبا للقتل عنده ، فحكى القاضي أبو الخطاب بن خليل حكاية عن أبي عبد الله بن مجاهد العابد : أن رجلا من عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها - وكان موصوفا بشدة السطو وبسط اليد - نزل في جوار ابن مجاهد وصلى في مسجده الذي كان يؤم فيه ، وكان لا يدعو في أخريات الصلوات تصميما في ذلك [ ص: 788 ] على المذهب ( يعني مذهب مالك ) لأنه مكروه في مذهبه . وكان ابن مجاهد محافظا عليه . فكره ذلك الرجل منه ترك الدعاء وأمره أن يدعو فأبى ، وبقي على عادته في تركه في أعقاب الصلوات ، فلما كان في بعض الليالي صلى ذلك الرجل العتمة في المسجد ، فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل المسجد : قد قلنا لهذا الرجل يدعو إثر الصلوات فأبى ، فإذا كان في غدوة غد أضرب رقبته بهذا السيف وأشار في يده فخافوا على ابن مجاهد من قوله لما علموا منه ، فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد ، فخرج إليهم وقال : ما شأنكم ؟ فقال لهم : والله لقد خفنا من هذا الرجل ، وقد اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء . فقال لهم : لا أخرج عن عادتي ، فأخبروه بالقصة . فقال لهم - وهو مبتسم - : انصرفوا ولا تخافوا فهو الذي تضرب رقبته في غدوة غد بذلك السيف بحول الله ، ودخل داره ، وانصرفت الجماعة على ذعر من قول ذلك الرجل . فلما كان مع الصبح وصل إلى دار الرجل قوم من أهل المسجد ومن علم حال البارحة حتى وصلوا إليه إلى دار الإمامة بباب جوهر من إشبيلية ، وهناك أمر بضرب رقبته بسيفه ، فكان ذلك تحقيقا للإجابة وإثباتا للكرامة .

                        وقد روى بعض الإشبيليين الحكاية بمعنى هذه لكن على نحو آخر .

                        ولما رد ولد ابن الصقر على الخطيب في خطبته وذلك حين فاه باسم المهدي وعصمته ، أراد المرتضى من ذرية عبد المؤمن - وهو إذ ذاك [ ص: 789 ] خليفة - أن يسجنه على قوله ، فأبى الأشياخ والوزراء من فرقة الموحدين إلا قتله ، فغلبوا على أمره فقتلوه خوفا أن يقول ذلك غيره . فتختل عليهم القاعدة التي بنوا دينهم عليها .

                        وقد لا تبلغ البدعة في الإشراب ذلك المقدار فلا يتفق الخلاف فيها بما يؤدي إلى مثل ذلك .

                        فهذه الأمثلة بينت بالواقع مراد الحديث - على فرض صحته - فإن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون ابتناء على وفق مخبره من غير تخلف ألبتة .

                        ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى والأوسط ، كالعلم والجهل ، والشجاعة والجبن ، والعدل والجور ، والجود والبخل ، والغنى والفقر ، والعز والذل ، وغير ذلك من الأحوال والأوصاف، فإنها تتردد ما بين الطرفين : فعالم في أعلى درجات العلم ، وآخر في أدنى درجاته، وجاهل كذلك ، وشجاع كذلك ، إلى سائرها .

                        فكذلك سقوط البدع بالنفوس ، إلا أن في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها فائدة أخرى ، وهي التحذير من مقاربتها ومقاربة أصحابها وهي :

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية