الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

وأما ما قاله عز الدين ؛ فالكلام فيه على ما تقدم :

فأمثلة الواجب منها من قبل ما لا يتم الواجب إلا به كما قال ـ فلا يشترط أن يكون معمولا به في السلف ، ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص .

ولأنه من باب المصالح المرسلة لا من البدع .

أما هذا الثاني فقد تقدم .

وأما الأول ؛ لو كان ثم من يسير إلى فريضة الحج طيرانا في الهواء ، أو مشيا على الماء ؛ لم يعد مبتدعا بمشيه كذلك ؛ لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض ، وقد حصل على الكمال ، فكذلك هذا .

على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنفين في طريقة التصوف ، وعدها من جملة ما ابتدع الناس ، وذلك غير صحيح ، ويكفي في رده إجماع الناس قبله على خلاف ما قال .

على أنه نقل عن القاسم بن مخيمرة : أنه ذكرت العربية ، فقال : " أولها كبر ، وآخرها بغي " .

وحكي أن بعض السلف قال : " النحو يذهب الخشوع من القلب ، ( و ) من أراد أن يزدري الناس كلهم ؛ فلينظر في النحو " .

ونقل نحوا من هذه .

وهذه كلها لا دليل فيها على الذم ؛ لأنه لم يذم النحو من حيث هو بدعة ، بل من حيث ما يكتسب به أمر زائد ؛ كما يذم سائر علماء السوء ؛ لا لأجل علومهم ، بل لأجل ما يحدث لهم بالعرض من الكبر به والعجب وغيرهما ، ولا يلزم من ذلك كون العلم بدعة .

فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدعا إما على المجاز المحض من حيث لم يحتج إليها أولا ثم احتيج بعد ، أو من عدم المعرفة بموضوع البدعة ، إذ من العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبر والزهو وغيرهما ، ولا يعود ذلك عليها بذم .

ومما حكى بعض هذه المتصوفة عن بعض علماء الخلف قال : " العلوم تسعة ، أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين ، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ، فأما الأربعة المعروفة : فعلم الإيمان ، وعلم القرآن ، وعلم الآثار ، والفتاوى ، وأما الخمسة المحدثة : فالنحو ، والعروض ، وعلم المقاييس ، والجدل في الفقه ، وعلم المعقول بالنظر " . انتهى .

وهذا ـ إن صح نقله ـ فليس أولا كما قال ؛ فإن أهل العربية يحكون عن أبي الأسود الدؤلي : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو حين سمع أعرابيا قارئا يقرأ : أن الله بريء من المشركين ورسوله ـ ؛ بالجر .

وقد روي عن ابن مليكة : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة ، وأمر أبا الأسود ، فوضع النحو .

والعروض من جنس النحو .

وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين ؛ صار النحو والنظر في الكلام العربي من سنة الخلفاء الراشدين ، وإن سلم أنه ليس كذلك ؛ فقاعدة المصالح تعم علوم العربية ، ( أي : تكون من ) قبيل المشروع ، فهي من جنس كتب المصحف وتدوين الشرائع .

وما ذكر عن القاسم بن مخيمرة قد رجع عنه ؛ فإن أحمد بن يحيى ثعلبا ، قال : " كان أحد الأئمة في الدين يعيب النحو ، ويقول : أول تعلمه شغل ، وآخره بغي ، يزدرى به الناس ، فقرأ يوما : إنما يخشى الله من عباده العلماء ؛ ( برفع الله ونصب العلماء ) فقيل له : كفرت من حيث لا تعلم تجعل الله يخشى العلماء ؟ فقال : لا طعنت عن علم يؤول إلى معرفة هذا أبدا .

قال عثمان بن سعيد الداني : " الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هو القاسم بن مخيمرة " .

قال : " وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين كلام ، وكان ابن سيرين ينتقص النحويين ، فاجتمعا في جنازة ، فقرأ ابن سيرين إنما يخشى الله من عباده العلماء ؛ برفع اسم الله ، فقال له ابن أبي إسحاق : كفرت يا أبا بكر تعيب على هؤلاء الذين يقيمون كتاب الله ؟ فقال ابن سيرين : إن كنت أخطأت ؛ فأستغفر الله " .

وأما علم المقاييس فأصله في السنة ، ثم في علم السلف بالقياس ، ثم قد جاء في ذم القياس أشياء حملوها على القياس الفاسد ، وهو القياس على غير أصل ، وهو عمدة كل مبتدع .

- وأما الجدل في الفقه ؛ فذلك من قبيل النظر في الأدلة ، وقد كان السلف الصالح يجتمعون للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها للتعاون على استخراج الحق ، فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى ، ومن قبيل المشاورة المأمور بها ، فكلاهما مأمور به .

- وأما علم المعقول بالنظر ؛ فأصل ذلك في الكتاب والسنة ؛ لأن الله تعالى احتج في القرآن على المخالفين لدينه بالأدلة العقلية ؛ كقوله : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، وقوله : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ، وقوله : أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات

وحكى عن إبراهيم عليه السلام محاجته للكفار بقوله : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي إلخ .

وفي الحديث حين ذكرت العدوى : " فمن أعدى الأول ؟ " .

إلى غير ذلك من الأدلة .

فكيف يقال : إنه من البدع ؟

- وقول عز الدين : " إن الرد على القدرية وكذا ( غيرهم ) من أهل البدع من البدع الواجبة " ، غير جار على الطريق الواضح ، ولو سلم ؛ فهو من المصالح المرسلة .

وأما أمثلة البدع المحرمة ؛ فظاهرة .

وأما أمثلة المندوبة ؛ فذكر منها إحداث الربط والمدارس :

- فإن عنى بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدا للرباط فيها ؛ فلا شك أن ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه .

وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع إلى العبادة ؛ فإن إحداث الربط التي شأنها أن تبنى تدينا للمنقطعين للعبادة - في زعم المحدثين - ويوقف عليها أوقاف يجري منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام أو لباس وغيرهما ؛ لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا ، فإن لم يكن أصل ؛ دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات ؛ فضلا عن أن تكون مباحة ؛ فضلا عن أن تكون مندوبا إليها ، وإن كان لها أصل ؛ فليس ببدعة ، فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح .

ثم إن كثيرا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع فيها فقراء المهاجرين ، وهم الذين نزل فيهم : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الآية ، وقوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية ، فوصفهم ( الله ) بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه قصدا لله خالصا ، فدل على أنهم انقطعوا لعبادة الله ، لا يشغلهم عن ذلك شاغل ، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها ، يجتمع فيها من أراد أن ينقطع إلى الله ويلتزم العبادة ، ويتجرد عن الدنيا والشغل بها ، وذلك كان شأن الأولياء أن ينقطعوا عن الناس ، ويشتغلوا بإصلاح بواطنهم ، ويولوا وجوههم شطر الحق ، فهم على سيرة من تقدم .

وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما ، بل هي سنة ، وأهلها متبعون للسنة ، فهي طريقة خاصة لأناس ، ولذلك لما قيل لبعضهم : في كم تجب الزكاة ؟ قال : على مذهبنا أم على مذهبكم ؟ ثم قال : أما على مذهبنا ؛ فالكل لله ، وأما على مذهبكم ؛ فكذا وكذا ، أو كما قال .

وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس هكذا ؛ غير محققة ، ولا منزلة على الدليل الشرعي ، ولا على أحوال الصحابة والتابعين .

ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة - بحول الله - حتى يتبين الحق فيها لمن أنصف ولم يغالط نفسه ، وبالله التوفيق .

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ؛ كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكة أو غيرها ، فكان منهم من احتال على نفسه ، فهاجر بماله أو شيء منه ، فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها - كأبي بكر الصديق رضي الله عنه ؛ فإنه هاجر بجميع ماله ، وكان خمسة آلاف - ، ومنهم من فر بنفسه ، ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله ، فقدم المدينة صفر اليدين .

وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم ، فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل .

وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في أموالهم ، وهم الأكثرون ؛ بدليل قصة بني النضير ؛ فإن ابن عباس رضي الله عنه ؛ قال :

لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ؛ قال للأنصار : " إن شئتم قسمتها بين المهـاجرين وتركتم نصيبكم فيها وخلى المهاجرون بينكم وبين دوركم وأموالكم ؛ فإنهم عيال عليكم " ، فقالوا : نعم ، ففعل ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم ؛ غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف ، وذكر أنهم فقراء .

وقد قال المهاجرون أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! يا رسول الله ! ما رأينا قوما أبذل من كثير ، ولا أحسن مواساة من قليل ؛ من قوم نزلنا بين أظهرهم - يعني : الأنصار - ؛ لقد كفونا المؤنة ، وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ؛ ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم .

( ومنهم ) من كان يلتقط نوى التمر ، فيرضها ، ويبيعها علفا للإبل ، ويتقوت من ذلك الوجه .

( ومنهم ) من لم يجد وجها يكتسب به لقوت ولا لسكنى ، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في صفة كانت في مسجده ، وهي سقيفة كانت من جملته ، إليها يأوون ، وفيها يقعدون ، إذ لم يجدوا مالا ولا أهلا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحض الناس على إعانتهم ، والإحسان إليهم .

وقد وصفهم أبو هريرة رضي الله عنه ، إذ كان من جملتهم ، وهو أعرف الناس بهم ؛ قال في الصحيح : " وأهل الصفة أضياف الإسلام ، لا يأوون على أهل ولا مال ، ولا على أحد ، إذا أتته - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - صدقة ؛ بعث بها إليهم ، ولا يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هدية ؛ أرسل إليهم ، وأصاب منها ، وأشركهم فيها " .

فوصفهم بأنهم أضياف الإسلام ، وحكم لهم - كما ترى - بحكم الأضياف ، وإنما وجبت الضيافة في الجملة ؛ لأن من نزل بالبادية ؛ لا يجد منزلا ولا طعاما لشراء ، إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشترى ، ولا خانات يأوى إليها ، فصار الضيف مضطرا وإن كان ذا مال ، فوجب على أهل الموضع ( ضيافته وإيواؤه ) حتى يرتحل ، فإن كان لا مال له ؛ فذلك أحرى .

فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد حتى يجدوا ، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى إعانتهم .

وفيهم نزل قول الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض إلى قوله : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله الآية .

فوصفهم الله تعالى بأوصاف ؛ منها : أنهم أحصروا في سبيل الله ؛ أي : منعوا وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم ، كأن العذر أحصرهم ، فلا يستطيعون ضربا في الأرض ؛ لاتخاذ المسكن ولا للمعاش ؛ لأن العدو قد كان أحاط بالمدينة ، فلا هم يقدرون على الجهاد حتى يكسبوا من غنائمه ، ولا هم يتفرغون للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار ولضعفهم في أول الأمر ، فلم يجدوا سبيلا للكسب أصلا .

وقد قيل : إن قوله تعالى : لا يستطيعون ضربا في الأرض أنهم قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصاروا زمنى .

وفيهم أيضا نزل قوله تعالى : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم .

ألا ترى كيف قال : أخرجوا ، ولم يقل : خرجوا من ديارهم وأموالهم ؟ ! فإنه قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارا ، فبان أنهم إنما خرجوا اضطرارا ، ولو وجدوا سبيلا ( أن ) لا يخرجوا ؛ لفعلوا ؟ ففيه ما يدل على أن الخروج من المال اختيارا ليس بمقصود للشارع ، وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة .

فلأجل ذلك بوأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفة ، فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة - كأبي هريرة ؛ فإنه قصر نفسه على ذلك ، ألا ترى إلى قوله في الحديث : " وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ؟ - ، وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر الله وعبادته وقراءة القرآن ، فإذا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ غزا معه ، وإذا أقام ؛ أقام معه .

حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين ، فصاروا إلى ما صار الناس إليه غيرهم ممن كان له أهل ومال من طلب المعاش واتخاذ المسكن ؛ لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال ، فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض .

فالذي حصل : أن القعود في الصفة لم يكن مقصودا لنفسه ، ولا بناء الصفة للفقراء مقصودا ؛ بحيث يقال : إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه ، ولا هي رتبة شرعية تطلب ؛ بحيث يقال : إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة ، وهي الرتبة العليا ؛ لأنها تشبه بأهل صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم . . . الآية ، وقوله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية ؛ فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء ، بل كان على ما تقدم .

والدليل على ذلك من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم ، ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها ، ولا عمرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة ؛ لكانوا هم أحق بفهمها أولا ، ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل ، وأولى بتجديد معاهدها ، لكنهم لم يفعلوا ذلك ألبتة .

فالتشبه بأهل الصفة إذا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والربط لا يصح ، فليفهم الموفق هذا الموضع ؛ فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين .

ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أو أفضل من غيره ، إذ ليس ذلك بصحيح ، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها .

ويكفي المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين : أن صدور هذه الطائفة - المتسمين بالصوفية - لم يتخذوا رباطا ولا زاوية ، ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا ؛ كالفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، والجنيد ، وإبراهيم الخواص ، والحارث المحاسبي ، والشبلي . . . وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان .

وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالفوا السلف الصالح ، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها ، ولا توفيق إلا بالله .

- وأما المدارس ؛ فلا يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله : بدعة ؛ إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد ، وهذا لا يوجد ، بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل مكان ؛ من مسجد ، أو منزل ، أو سفر ، أو حضر ، أو غير ذلك ، حتى في الأسواق ، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعين بإعدادها الطلبة ؛ فلا يزيد ذلك على إعدادها لها منزلا من منازله ، أو حائطا من حوائطه ، أو غير ذلك ، فأين مدخل البدعة هاهنا ؟ !

وإن قيل : إن البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره ، والتخصيص هاهنا ليس بتخصيص تعبدي ، وإنما هو تعيين بالحبس ؛ كما تتعين سائر الأموال المحبسة ، وتخصيصها ليس ببدعة ، فكذلك ما نحن فيه .

بخلاف الربط ؛ فإنها خصت تشبيها بالصفة بهما للتعبد ، فصارت تعبدية بالقصد والعرف ، حتى إن ساكنيها مباينون لغيرهم في النحلة والمذهب والزي والاعتقاد .

- وكذلك ما ذكر من بناء القناطر ؛ فإنه راجع إلى إصلاح الطرق ، وإزالة المشقة عن سالكيها ، وله أصل في شعب الإيمان ، وهو إماطة الأذى عن الطريق ، فلا يصح أن يعد في البدع بحال .

- وقوله : " وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول " فيه تفصيل ، فلا يخلو الإحسان المفروض أن يفهم من الشريعة أنه مقيد بقيد تعبدي أولا .

فإن كان مقيدا بالتعبد الذي لا يعقل معناه ؛ فلا يصح أن يعمل به إلا على ذلك الوجه .

وإن كان غير مقيد في أصل التشريع بأمر تعبدي ؛ فلا يقال : إنه غير بدعة على أي وجه وقع ؛ إلا على أحد ثلاثة أوجه :

أحدها : أن يخرج أصلا شرعيا مثل الإحسان المتبع بالمن والأذى والصدقة من المديان المضروب على يده ، وما أشبه ذلك ، ( و ) يكون إذ ذاك معصية .

والثاني : أن يلتزم على وجه لا يتعدى ؛ بحيث يفهم منه الجاهل أنه لا يجوز إلا على ذلك الوجه ، فحينئذ يكون الالتزام المشار إليه بدعة مذمومة وضلالة ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله ، فلا تكون إذا مستحبة .

والثالث : أن يجري على رأي من يرى المعقول المعنى وغيره بدعة مذمومة ؛ كمن كره تنخيل الدقيق في العقيقة ، فلا تكون عنده البدعة مباحة ولا مستحبة .

- وصلاة التراويح تقدم الكلام عليها .

- وأما الكلام في دقائق التصوف ؛ فليس ببدعة بإطلاق ، ولا هو مما صح بالدليل بإطلاق ، بل الأمر ينقسم .

ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولا حتى يقع الحكم على أمر مفهوم ؛ لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين ، فلنرجع إلى ما قال فيه المتقدمون .

وحاصل ما يرجع إليه لفظ التصوف عندهم معنيان :

أحدهما : التخلق بكل خلق سني ، والتجرد عن كل خلق دني .

والآخر : أنه الفناء عن نفسه ، والبقاء لربه .

وهما في التحقيق إلى معنى واحد ؛ إلا أن أحدهما يصلح التعبير به عن البداية والآخر يصلح التعبير به عن النهاية ، وكلاهما اتصاف ؛ إلا أن الأول لا يلزمه الحال والثاني يلزمه الحال ، وقد يعتبر فيهما بلفظ آخر ؛ فيكون الأول عملا تكليفيا والثاني نتيجته ، ويكون الأول اتصاف الظاهر والثاني اتصاف الباطن ، ومجموعهما هو التصوف .

وإذا ثبت هذا ؛ فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه ؛ لأنه إنما يرجع إلى تفقه ينبني عليه : العمل ، وتفصيل آفاته وعوارضه ، وأوجه تلافي الفساد الواقع فيه بالإصلاح ، وهو فقه صحيح ، وأصوله في الكتاب والسنة ظاهرة ، فلا يقال في مثله : بدعة ؛ إلا إذا أطلق على فروع الفقه التي لم يلف مثلها في السلف الصالح : أنها بدعة ؛ كفروع أبواب السلم ، والإجارات ، والجراح ، ومسائل السهو ، والرجوع عن الشهادات ، وبيوع الآجال . . . . وما أشبه ذلك .

وليس من شأن العلماء إطلاق لفظ البدعة على الفروع المستنبطة التي لم تكن فيما سلف ، وإن دقت مسائلها ، فكذلك لا يطلق على دقائق فروع الأخلاق الظاهرة والباطنة : أنها بدعة ؛ لأن الجميع يرجع إلى أصول شرعية .

وأما بالمعنى الثاني ؛ فهو على أضرب :

أحدها : يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجداني ، فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال ، وما يحتاج إليه في النازلة الخاصة ؛ رجوعا إلى الشيخ المربي ، وما بين له في تحقيق مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض ، فيداويه بما يليق به من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية ، أو بإصلاح مقصده إن عرض فيه العارض ، فقلما يطرأ العارض إلا عند الإخلال ببعض الأصول الشرعية التي بني عليها في بدايته ، فقد قالوا : إنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول .

فمثل هذا لا بدعة فيه ؛ لرجوعه إلى أصل شرعي :

ففي الصحيح من حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ناس من أصحابه رضي الله عنهم ، فقالوا : يا رسول الله ! إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به - أو الكلام به - ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به . قال : " أوقد وجدتموه ؟ " ، قالوا : نعم ، قال : " ذلك صريح الإيمان " .

وعن ابن عباس ؛ قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ! إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به . قال : " الله أكبر ، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة " .

وفي حديث آخر : " من وجد من ذلك شيئا ؟ فليقل : آمنت بالله " .

وعن ابن عباس في مثله : " إذا وجدت شيئا من ذلك ؛ فقل : هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . . . إلى أشباه ذلك ، وهو صحيح مليح .

والثاني : يرجع إلى النظر في الكرامات ، وخوارق العادات ، وما يتعلق بها مما هو خارق في الحقيقة أو غير خارق ، وما هو منها يرجع إلى أمر نفسي أو شيطاني ، أو ما أشبه ذلك من أحكامها . . . فهذا النظر ليس ببدعة ، كما أنه ليس ببدعة النظر في المعجزات وشروطها ، والفرق بين النبي والمتنبي ، وهو من علم الأصول ، فحكمه حكمه .

والثالث : ما يرجع إلى النظر في مدركات النفوس ؛ من العالم الغائب ، وأحكام التجريد النفسي ، والعلوم المتعلقة بعالم الأرواح ، وذوات الملائكة والشياطين ، والنفوس الإنسانية والحيوانية . . . وما أشبه ذلك .

وهو بلا شك بدعة مذمومة إن وقع النظر فيه والكلام عليه بقصد جعله علما ينظر فيه وفنا يشتغل بتحصيله بتعلم أو رياضة ؛ فإنه لم يعهد مثله في السلف الصالح ، وهو في الحقيقة نظر فلسفي ، إنما يشتغل باستجلابه والرياضة لاستفادته أهل الفلسفة ، الخارجون عن السنة ، المعدودون في الفرق الضالة ، فلا يكون الكلام فيه مباحا ؛ فضلا عن أن يكون مندوبا إليه .

نعم ؛ قد يعرض مثله للسالك ، فيتكلم فيه مع المربي ، حتى يخرجه عن طريقه ، ويبعد بينه وبين فريقه ؛ لما فيه من إمالة مقصد السالك إلى أن يعبد الله على حرف ؛ زيادة إلى الخروج عن الطريق المستقيم بتتبعه والالتفات إليه ، إذ الطريق مبني على الإخلاص التام بالتوجه الصادق ، وتجريد التوحيد عن الالتفات إلى الأغيار ، وفتح باب الكلام في هذا الضرب مضاد لذلك كله .

والرابع : يرجع إلى النظر في حقيقة الفناء من حيث الدخول فيه ، والاتصاف بأوصافه ، وقطع أطماع النفس عن كل جهة توصل إلى غير المطلوب وإن دقت ؛ فإن أهواء النفوس تدق وتسري مع السالك في المقامات ، فلا يقطعها إلا من حسم مادتها وبت طلاقها ، وهو باب الفناء المذكور .

وهذا نوع من أنواع الفقه المتعلق بأهواء النفوس ، ولا يعد من البدع ؛ لدخوله تحت جنس الفقه ؛ لأنه - وإن دق - راجع إلى ما جل من الفقه ، ودقته وجلته إضافيان ، والحقيقة واحدة .

وثم أقسام أخر ؛ جميعها إما يرجع إلى فقه شرعي حسن في الشرع ، وإما إلى ابتداع ليس بشرعي وهو قبيح في الشرع .

وأما الجدل وجمع المحافل للاستدلال على المسائل ؛ فقد مر الكلام فيه .

وأما أمثلة البدع المكروهة ؛ فعد منها : زخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف ، وتلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي ، فإن أراد مجرد الفعل من غير اقتران أمر آخر ؛ فغير مسلم ، وإن أراد مع اقتران قصد التشريع ؛ فصحيح ما قال ، إذ البدعة لا تكون بدعة إلا مع اقتران هذا القصد ، فإن لم يقترن ؛ فهي منهي عنها غير بدع .

وأما أمثلة البدع المباحة ؛ فعد منها المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر ، أما أنها بدع ؛ فمسلم ، وأما أنها مباحة ؛ فممنوع ، إذ لا دليل في الشرع يدل على تخصيص تلك الأوقات بها ، بل هي مكروهة ، إذ يخاف بدوامها إلحاقها [ بـ ] الصلوات المذكورة ؛ كما خاف مالك وصل ستة أيام من شوال برمضان لإمكان أن يعدها من رمضان ، وكذلك وقع .

فقد قال القرافي : " قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث : إن الذي خشي منه مالك رضي الله عنه قد وقع بالعجم ، فصاروا يتركون المسحرين على عاداتهم والبواقين وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام ، فحينئذ يظهرون شعائر العيد .

قال : وكذلك شاع عند عامة مصر أن الصبح ركعتان ؛ إلا في يوم الجمعة ؛ فإنه ثلاث ركعات ؛ لأجل أنهم يرون الإمام يواظب على قراءة سورة السجدة يوم الجمعة في صلاة الصبح ويسجد ، فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة .

قال : " وسد هذه الذرائع متعين في الدين ، وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها " .

وعد ابن عبد السلام من البدع المباحة التوسع في الملذوذات ، وقد تقدم ما فيه .

والحاصل من جميع ما ذكر فيه قد وضح منه أن البدع لا تنقسم إلى ذلك الانقسام ، بل هي من قبيل المنهي عنه : إما كراهة ، وإما تحريما ؛ حسبما يأتي إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث