الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


إذا تقرر أن البدع ليست في الذم ولا في النهي على رتبة واحدة ، وأن منها ما هو مكروه ، كما أن منها ما هو محرم ، فوصف الضلالة لازم لها وشامل لأنواعها لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم : كل بدعة ضلالة .

لكن يبقى هاهنا إشكال ، وهو أن الضلالة ضد الهدى لقوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وقوله [ ص: 531 ] ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل وأشباه ذلك مما قوبل فيه بين الهدى والضلال . فإنه يقتضي أنهما ضدان وليس بينهما واسطة تعتبر في الشرع ، فدل على أن البدع المكروهة خروج عن الهدى .

ونظيره في المخالفات التي ليست ببدع ، المكروهة من الأفعال ، كالالتفات اليسير في الصلاة من غير حاجة ، والصلاة وهو يدافعه الأخبثان وما أشبه ذلك .

ونظيره في الحديث : نهينا عن اتباع الجنائز ولم يحرم علينا فالمرتكب للمكروه لا يصح أن يقال فيه مخالف ولا عاص ، مع أن الطاعة ضدها المعصية . وفاعل المندوب مطيع لأنه فاعل أمر به . فإذا اعتبرت الضد لزم أن يكون فاعل المكروه عاصيا لأنه فاعل ما نهي عنه ، لكن ذلك غير صحيح ، إذ لا يطلق عليه عاص ، فكذلك لا يكون فاعل البدعة المكروهة ضالا ، وإلا فلا فرق بين اعتبار الضد في الطاعة واعتباره في الهدى ، فكما يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية ، [ ص: 532 ] وإلا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة ، كما لا يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية .

إلا أنه قد تقدم عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ، فليعم لفظ المعصية لكل فعل مكروه ، لكن هذا باطل ، فما لزم عنه كذلك . والجواب : أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة

والجواب : أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت ـ كما تقدم بسطه ـ وما التزمتم في الفعل المكروه غير لازم ، فإنه لا يلزم في الأفعال أن تجري على الضدية المذكورة إلا بعد استقراء الشرع ، ولما استقرينا موارد الأحكام الشرعية وجدنا للطاعة والمعصية واسطة متفقا عليها أو كالمتفق عليها وهي المباح ، وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح .

فالأمر والنهي ضدان بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهي ، وإنما يتعلق بها التخيير .

وإذا تأملنا المكروه ـ حسبما قرره الأصوليون ـ وجدناه ذا طرفين :

طرف من حيث هو منهي عنه ، فيستوي مع المحرم في مطلق النهي ، فربما يتوهم أن مخالفة نهي الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم في مطلق المخالفة .

غير أنه يصد عن هذا الإطلاق الطرف الآخر ، وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب على فاعله ذم شرعي ولا إثم ولا عقاب ، فخالف المحرم من هذا الوجه وشارك المباح فيه ، لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب ، فتحاموا أن يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة المعصية .

وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن ينسب إليها المكروه من البدع ، وقد قال الله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال فليس إلا حق ، وهو الهدى ، وضلال وهو الباطل ، فالبدع [ ص: 533 ] المكروهة ضلال .

وأما ثانيا : فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه ، فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض البدع ، وإنما حقيقة المسألة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم ـ كما تقدم بيانه ـ وأما تعيين الكراهة التي معناها نفي إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة ، فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص .

أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على من قال : أما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الآخر : أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا ، فرد عليهم ذلك صلى الله عليه وسلم وقال : من رغب عن سنتي فليس مني .

وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار ، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر ، وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مره فليجلس وليستظل وليتم صومه قال مالك : أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ، ويترك ما كان عليه فيه معصية .

ويعضد هذا الذي قاله مالك ما في البخاري عن قيس بن أبي حازم ، [ ص: 534 ] قال دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم ، فقال : ما لها فقال حجت مصمتة قال لها : تكلمي ، فإن هذا لا يحل ، هذا من عمل الجاهلية فتكلمت الحديث إلخ .

وقال مالك أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام : من نذر أن يعصي الله فلا يعصه إن ذلك أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام وإلى مصر وأشباه ذلك مما ليس فيه طاعة ، أو أن لا أكلم فلانا ، فليس عليه في ذلك شيء إن هو كلمه لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة ، وإنما يوفي لله بكل نذر فيه طاعة من مشي إلى بيت الله أو صيام أو صدقة أو صلاة ، فكل ما لله فيه طاعة فهو واجب على من نذره .

فتأمل كيف جعل القيام في الشمس وترك الكلام ونذر المشي إلى الشام أو مصر معاصي ، حتى فسر فيها الحديث المشهور ، مع أنها في أنفسها أشياء مباحات ، لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصي لله ، وكلية قوله : كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى ، والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد ، وهي خاصية المحرم .

وقد مر ما روى الزبير بن بكار وأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله ! من أين أحرم ؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد : فقال : لا تفعل . قال : غني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر . قال : لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة . قال : وأي فتنة في هذا ؟ إنما هي أميال أزيدها ، قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إني سمعت الله [ ص: 535 ] تعالى يقول : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .

فأنت ترى أنه خشي عليه الفتنة في الإحرام من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه ، وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره ، لكنه أبعد من الميقات فهو زيادة في التعب قصدا لرضا الله ورسوله ، فبين أن ما استسهله من ذلك الأمر اليسير في بادئ الرأي يخاف على صاحبه الفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة ، واستدل بالآية . فكل ما كان مثل ذلك داخل ـ عند مالك ـ في معنى الآية ، فأين كراهية التنزيه في هذه الأمور التي يظهر بأول النظر أنها سهلة ويسيرة ؟ .

وقال ابن حبيب : أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول : التثويب ضلال ؟ قال مالك : ومن أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين ، لأن الله تعالى يقول : اليوم أكملت لكم دينكم فما لم يكن يومئذ دينا ، لا يكون اليوم دينا .

وإنما التثويب الذي كرهه أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح وهو قول إسحاق ابن راهويه أنه التثويب المحدث .

قال الترمذي لما نقل هذا عن سحنون : وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي قد كرهه أهل العلم ، والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم . وإذا [ ص: 536 ] اعتبر هذا اللفظ في نفسه فكل أحد يستسهله في بادئ الرأي إذ ليس فيه زيادة على التذكير بالصلاة .

وقصة صبيغ العراقي ظاهرة في هذا المعنى ، فحكى ابن وهب قال : حدثنا مالك بن أنس قال : جعل صبيغ يطوف بكتاب الله معه ، ويقول : من يتفقه يفقهه الله ، من يتعلم يعلمه الله ، فأخذه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فضربه بالجريد الرطب ، ثم سجنه حتى إذا خف الذي به أخرجه فضربه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إن كنت تريد قتلي فأجهز علي ، وإلا فقد شفيتني شفاك الله فخلاه عمر .

قال ابن وهب : قال مالك ، وقد ضرب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ صبيغا حين بلغه ما يسأل عنه من القرآن وغير ذلك اهـ .

وهذا الضرب إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبني عليها عمل وربما نقل عنه أنه كان يسأل عن السابحات سبحا ، والمرسلات عرفا وأشباه ذلك ، والضرب إنما يكون لجناية أربت على كراهية التنزيه ، إذ لا يستباح دم امرئ مسلم ، ولا عرضه بمكروه كراهية تنزيه ، ضربه إياه خوف الابتداع في الدين أن يشتغل منه بما لا ينبني عليه عمل ، وأن يكون ذلك ذريعة ، لئلا يبحث عن المتشابهات القرآنية ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : وفاكهة وأبا قال : هذه الفاكهة ، فما الأب ! ثم قال : ما أمرنا بهذا .

[ ص: 537 ] وفي رواية : نهينا عن التكلف .

وجاء في قصة صبيغ من رواية ابن وهب عن الليث أنه ضربه مرتين ثم أراد أن يضربه الثالثة فقال له صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا ، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت . فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبى موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن لا يجالسه أحد من المسلمين ، فاشتد ذلك على الرجل ، فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته ، فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته . والشواهد في هذا المعنى كثيرة ، وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع شديد وليس بهين وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم .

وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط ، وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبلتين . فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع ، وأشباه ذلك .

وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا : هذا حلال وهذا حرام . ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى . فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها : أكره هذا ، ولا [ ص: 538 ] أحب هذا ، وهذا مكروه . وما أشبه ذلك ، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط ، فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه ؟ اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله ، لا لأنه بدعة مكروهة ، على تفصيل يذكر في موضعه .

وأما ثالثا : فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة ـ دقت أو جلت ـ وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات المخالفة التامة . وبيان ذلك من أوجه :

أحدها : أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على العفو اللازم فيه ، ورفع الحرج الثابت في الشريعة ، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب . وأيضا فليس عقده الإيماني بمتزحزح ، لأنه يعتقد المكروه مكروها كما يعتقد الحرام حراما وإن ارتكبه ، فهو يخاف الله ويرجوه ، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان .

فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل ، وأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه . ويود لو لم يفعل ، وأيضا فلا يزال ـ إذا تذكر ـ منكسر القلب طامعا في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا .

ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال ، فإنه يعد ما دخل فيه حسنا ، بل يراه أولى بما حد له الشارع ، فأين مع هذه خوفه أو رجاؤه ؟ وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلا ، ونحلته أولى بالاتباع . [ ص: 539 ] هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه متبع للهوى . وسيأتي لذلك تقرير إن شاء الله .

وقد مر في أول الباب الثاني تقرير لجملة من المعاني التي تعظم أمر البدع على الإطلاق ، وكذلك مر في آخر الباب أيضا أمور ظاهرة في بعد ما بينهما وبين كراهية التنزيه فراجعها هنالك يتبين لك مصداق ما أشير إليه هاهنا ، وبالله التوفيق .

والحاصل أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث