الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        فصل

                        ومنها بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلات لا تعقل يدعون فيها أنها ( هي ) المقصود والمراد ، لا ما يفهم العربي منها ـ مسندة عندهم إلى أصل لا يعقل :

                        وذلك أنهم ـ فيما ذكره العلماء ـ قوم أرادوا إبطال الشريعة جملة وتفصيلا ، وإلقاء ذلك فيما بين الناس ؛ لينحل الدين في أيديهم ، فلم يمكنهم إلقاء ذلك صراحا ؛ فيرد ذلك في وجوههم وتمتد إليهم أيدي [ ص: 322 ] الحكام ، فصرفوا أعناقهم إلى التحيل على ما قصدوا بأنواع من الحيل ، من جملتها صرف الهم من الظواهر ؛ إحالة على أن لها بواطن هي المقصودة ، وأن الظواهر غير مرادة .

                        فقالوا : كل ما ورد في الشرع من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية ؛ فهي أمثلة ورموز إلى بواطن .

                        فمما زعموا في الشرعيات : أن الجنابة مبادرة الداعي للمستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق ، ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك ، ومعنى مجامعة البهيمة مقابحة من لا عهد له ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى ـ وهو مئة وتسعة عشر درهما عندهم ـ ؛ قالوا : فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل والمفعول بها ، وإلا ؛ فالبهيمة متى يجب القتل عليها ؟ ! والاحتلام أن يسبق لسانه إلى إفشاء السر في غير محله ، فعليه الغسل ؛ أي : تجديد المعاهدة ، والطهر هو التبرؤ من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام ، والتيمم الأخذ من المأذون إلى أن يسعد بمشاهدة الداعي والإمام ، والصيام هو الإمساك عن كشف السر .

                        ولهم من هذا الإفك كثير في الأمور الإلهية وأمور التكليف وأمور الآخرة ، وكله حوم على إبطال الشريعة جملة وتفصيلا ، إذ هم ثنوية ودهرية وإباحية ، منكرون للنبوة والشرائع والحشر والنشر والجنة والنار والملائكة ، بل هم منكرون للربوبية ، وهم المسمون بالباطنية .

                        وربما تمسكوا بالحروف والأعداد : بأن الثقب في رأس الآدمي [ ص: 323 ] سبع ، والكواكب السيارة سبع ، وأيام الأسبوع سبع ؛ فهذا يدل على أن دور الأئمة سبعة ، وبه يتم . وأن الطبائع أربع ، وفصول السنة أربع ، فدل على أن أصول الأربعة هي السابق والتالي الإلهان ـ عندهم ـ والناطق والأساس ـ وهما الإمامان ـ والبروج اثنا عشر يدل على أن الحجج اثنا عشر ، وهم الدعاة . . . . إلى أنواع من هذا القبيل .

                        وجميعها ليس فيه ما يقابل بالرد ؛ لأن كل طائفة من المبتدعة ـ سوى هؤلاء ـ ربما يتمسكون بشبهة تحتاج إلى النظر فيها معهم ، أما هؤلاء ؛ فقد خلعوا في الهذيان الربقة ، وصاروا عرضة للمز ، وضحكة للعالمين ، وإنما ينسبون هذه الأباطيل إلى الإمام المعصوم الذي زعموه ، وإبطال الإمامة معلوم في كتب المتكلمين ، ولكن لا بد من نكتة مختصرة في الرد عليهم .

                        فلا يخلو أن يكون ذلك عندهم :

                        إما من جهة دعوى الضرورة ، وهو محال ؛ لأن الضروري ( هو ) ما يشترك فيه العقلاء علما وإدراكا ، وهذا ليس كذلك .

                        وإما من جهة الإمام المعصوم ؛ فسماعهم منه لتلك التأويلات .

                        ( فنقول ) لمن زعم ذلك : ما الذي دعاك إلى تصديق الإمام المعصوم دون محمد عليه السلام مع المعجزة وليس لإمامك معجزة ؟ ! فالقرآن يدل على أن المراد ظاهره ، لا ما زعمت .

                        فإن قال : ظاهر القرآن رموز إلى بواطن فهمها الإمام المعصوم ولم يفهمها فتعلمناها منه . قيل لهم : من أي جهة تعلمتموها منه ؟ [ ص: 324 ] أبمشاهدة قلبه بالعين ؟ أو بسماع منه ؟ ولا بد من الاستناد إلى السماع بالأذن ، فيقال : فلعل لفظه ظاهر له باطن لم تفهمه ولم يطلعك عليه ، فلا يوثق بما فهمت من ظاهر لفظه !

                        فإن قال : صرح بالمعنى ، وقال : ما ذكرته ظاهر لا رمز فيه ، أو والمراد ظاهره . قيل له : وبماذا عرفت قوله لك : أنه ظاهر ؛ [ أنه ] لا رمز فيه ، بل أنه كما قال ، إذ يمكن أن يكون له باطن لم تفهمه أيضا ، فلا يزال الإمام يصرح باللفظ والمذهب يدعو إلى أن له فيه رمزا .

                        ولو فرضنا أن الإمام أنكر الباطن ؛ فلعل تحت إنكاره رمزا لم تفهمه أيضا ، حتى لو حلف بالطلاق الظاهر أنه لم يقصد إلا الظاهر ؛ لاحتمل أن يكون في طلاقه رمز وهو باطنه وليس مقتضى الظاهر .

                        فإن قال : ذلك يؤدي إلى حسم باب التفهيم ، قيل له : فأنتم حسمتموه بالنسبة إلى النبي عليه والسلام ؛ فإن القرآن دائر على تقرير الوحدانية ، والجنة ، والنار ، والحشر ، والنشر ، والأنبياء ، والوحي ، والملائكة ؛ مؤكدا ذلك كله بالقسم ، وأنتم تقولون : إن ظاهره غير مراد ، وإن تحته رمزا ! فإن جاز ذلك عندكم بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة وسر له في الرمز ؛ جاز بالنسبة إلى معصومكم أن يظهر لكم خلاف ما يضمره لمصلحة وسر له فيه ، وهذا لا محيص لهم عنه .

                        قال أبو حامد الغزالي رحمه الله : " ينبغي أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه الفرقة هي أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال ؛ إذ لا تجد فرقة تنقض مذهبها بنفس المذهب سوى هذه التي هي الباطنية ، إذ مذهبها إبطال النظر وتغيير الألفاظ عن موضوعها بدعوى الرمز ، وكل ما يتصور أن تنطق به [ ص: 325 ] ألسنتهم ، فإما نظر أو نقل ، أما النظر ؛ فقد جوزوا أن يراد باللفظ غير موضوعه ، فلا يبقى لهم معتصم ، والتوفيق بيد الله .

                        وذكر ابن العربي في " العواصم " مأخذا آخر في الرد عليهم أسهل من هذا ـ وقال : " إنهم لا قبل لهم به " ـ ، وهو أن يسلط عليهم في كل ما يدعونه السؤال بـ " لم " ؟ خاصة ، فكل من وجهت عليه منهم ؛ سقط في يده ، وحكى في ذلك حكاية ظريفة يحسن موقعها هاهنا .

                        وتصور المذهب كاف في ظهور بطلانه ؛ إلا أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع قد اعتمده طوائف وبنوا عليه بدعا فاحشة ؛ ( منها ) مذهب المهدي المغربي ؛ فإنه عد نفسه الإمام المنتظر ، وأنه معصوم ، حتى أن من شك في عصمته ، أو في أنه المهدي المنتظر ؛ كافر .

                        وقد زعم ذووه أنه ألف في الإمامة كتابا ذكر فيه أن الله استخلف آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام ، وأن مدة الخلافة ثلاثون سنة ، وبعد ذلك فرق وأهواء ، وشح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فلم يزل الأمر على ذلك ، والباطل ظاهر ، والحق كامن ، والعلم مرفوع ـ كما أخبر عليه الصلاة والسلام ـ ، الجهل ظاهر ، ولم يبق من الدين إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه ، حتى جاء الله بالإمام ، فأعاد به الدين ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام : بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء .

                        وقال : إن طائفته هم الغرباء ؛ زعما من غير برهان زائد على الدعوى .

                        [ ص: 326 ] وقال في ذلك الكتاب : جاء الله بالمهدي ، وطاعته صافية نقية ، لم ير مثلها قبل ولا بعد ، وأن به قامت السماوات والأرض به تقوم ، ولا ضد له ولا مثل ولا ند ولا كذب ، تعالى الله عن قوله وهذا ـ ، كما نزل أحاديث الترمذي و أبي داود في الفاطمي على نفسه ، وأنه هو بلا شك .

                        وأول إظهاره لذلك أنه قام في أصحابه خطيبا ، فقال : الحمد لله الفعال لما يريد ، القاضي لما يشاء ، لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، وصلى الله على النبي المبشر بالمهدي يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلما وجورا يبعثه الله إذا نسخ الحق بالباطل ، وأزيل العدل بالجور ، مكانه بالمغرب الأقصى ، وزمانه آخر الأزمان ، واسمه اسم النبي عليه السلام ، ونسبه نسب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ظهر جور الأمراء ، وامتلأت الأرض بالفساد ، وهذا آخر الزمان ، والاسم الاسم ، والنسب النسب والفعل الفعل . يشير إلى ما جاء في أحاديث الفاطمي .

                        فلما فرغ ؛ بادر إليه من أصحابه عشرة ، فقالوا : هذه الصفة لا توجد إلا فيك ، فأنت المهدي ، فبايعوه على ذلك .

                        وأحدث في دين الله أحداثا كثيرة ؛ زيادة إلى الإقرار بأنه المهدي المعلوم ، والتخصيص بالعصمة ، ثم وضع ذلك في الخطب ، وضرب في السكك ، بل كانت تلك الكلمة عندهم ثالثة الشهادة ، فمن لم يؤمن بها أو شك فيها ؛ فهو كافر كسائر الكفار ، وشرع القتل في مواضع لم يضعه الشرع فيها ، وهي نحو من ثمانية عشر موضعا ؛ كترك امتثال أمر من يستمع أمره ، [ ص: 327 ] وترك حضور مواعظه ثلاث مرات ، والمداهنة إذا ظهرت في أحد قتل . . . . . وأشياء كثيرة .

                        وكان مذهبه ( البدعة ) الظاهرية ، ومع ذلك فابتدع أشياء ؛ كوجوه من التثويب ، إذ كانوا ينادون عند الصلاة " بتاصاليت الإسلام " و " بقيام تاصاليت " ، " سودرين " ، و " باردي " و " وأصبح ولله الحمد " . . . . وغيره ، فجرى العمل بجميعها في زمان الموحدين ، وبقي أكثرها بعدما انقرضت دولتهم حتى إني أدركت بنفسي في جامع غرناطة الأعظم الرضى عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم ، إلى أن أزيلت وبقيت أشياء مثيرة غفل عنها أو أغفلت .

                        وقد كان السلطان أبو العلاء إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي منهم ظهر له قبح ما هم عليه من هذه الابتداعات ، فأمر ـ حين استقر بمراكش ـ خليفته بإزالة جميع ما ابتدع من قبله ، وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار يأمر فيها بتغيير تلك السنة ، ويوصي بتقوى الله والاستعانة به والتوكل عليه ، وأنه قد نبذ الباطل وأظهر الحق ، وأن لا مهدي إلا عيسى ، وأن ما ادعوه أنه المهدي بدعة أزالها وأسقط اسم من لا تثبت عصمته .

                        وذكر أن أباه المنصور هم بأن يصدع بما به صدع ، وأن يرقع الحرف الذي رقع ، فلم يساعده الأجل لذلك ، ثم لما مات واستخلف ابنه أبو محمد عبد الواحد الملقب بالرشيد ؛ وفد إليه جماعة من أهل المذهب المتسمين بالموحدين ، فقبلوا منه في الذروة والغارب ، وضمنوا على [ ص: 328 ] أنفسهم الدخول تحت طاعته ، والوقوف على قدم الخدمة بين يديه ، والمدافعة عنه بما استطاعوا ، لكن على شرط ذكر المهدي وتخصيصه بالعصمة في الخطبة والمخاطبات ، ونقش اسمه الخاص في السكك ، وإعادة الدعاء بعد الصلاة ، والنداء عليها " بتاصاليت الإسلام " عند كمال الأذان ، و بتقام تاصاليت " ، وهي إقامة الصلاة ، وما أشبه ذلك من " سودرين " ، و " باوري " و " أصبح ولله الحمد " . . . . وغير ذلك .

                        وقد كان الرشيد استمر على العمل بما رسم أبوه من ترك ذلك كله ، فلما انتدب " الموحدون " إلى الطاعة ؛ اشترطوا إعادته ما ترك ، فأسعفوا فيه ، فلما احتلوا منازلهم أياما ، ولم يعد شيء من تلك العوائد ؛ ساءت ظنونهم ، وتوقعوا انقطاع ما هو عمدتهم في دينهم ، وبلغ ذلك الرشيد ، فجدد تأنيسهم بإعادتها .

                        قال المؤرخ : فيا لله ! ماذا بلغ من سرورهم وما كانوا فيه من الارتياح لسماع تلك الأمور ، وانطلقت ألسنتهم بالدعاء لخليفتهم بالنصر والتأييد ، وشملت الأفراح فيهم الكبير والصغير ، وهذا شأن صاحب البدعة أبدا ، فلن يسر بأعظم من انتشار بدعته وإظهارها ، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ، وهذا كله دائر على القول بالإمامة والعصمة الذي هو رأي الشيعة .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية