الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        فصل

                        وعند ذلك نقول :

                        من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها أو في العمومات من غير تأمل ؛ هل لها مخصصات أم لا ؟ وكذلك العكس ؛ بأن يكون النص مقيدا فيطلق ، أو خاصا فيعم بالرأي من غير دليل سواه :

                        فإن هذا المسلك رمي في عماية ، واتباع للهوى في الدليل ، وذلك أن المطلق المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيد ، فإذا قيد ؛ صار واضحا ، كما أن إطلاق المقيد رأي في ذلك المقيد معارض للنص من غير دليل .

                        [ ص: 313 ] فمثال الأول : أن الشريعة قد ورد طلبها على المكلفين على الإطلاق والعموم ، ولا يرفعها عذر إلا العذر الرافع للخطاب رأسا ، وهو زوال العقل ، فلو بلغ المكلف في مراتب الفضائل الدينية إلى أي رتبة بلغ ؛ بقي التكليف عليه كذلك إلى الموت .

                        ولا رتبة لأحد يبلغها في الدين كرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رتبة أصحابه البررة ، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة ؛ إلا ما كان من تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى الآحاد ؛ كالزمن ؛ لا يطالب بالجهاد ، والمقعد ؛ لا يطالب بالصلاة بالقيام ، والحائض ؛ لا تطالب بالصلاة المخاطب بها في حال حيضها . . . . ولا ما أشبه ذلك .

                        فمن رأى أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الدين ـ كما يقوله أهل الإباحة ـ ؛ كان قوله بدعة مخرجة عن الدين .

                        ومنه دعاوى أهل البدع على الأحاديث الصحيحة ؛ مناقضتها للقرآن ، أو مناقضة بعضها بعضا ، وفساد معانيها ، أو مخالفتها للعقول ؛ كما حكموا بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم للمتحاكمين إليه : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : مئة الشاة والخادم رد عليك ، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام ، وعلى امرأة هذه الرجم ، واغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت ؛ فارجمها ، فغدا عليها ، فاعترفت ، فرجمها .

                        قالوا : هذا مخالف لكتاب الله ؛ لأنه قضى بالرجم والتغريب ، وليس للرجم ولا للتغريب في كتاب الله ذكر ، فإن كان الحديث باطلا ؛ فهو ما [ ص: 314 ] أردنا ، وإن كان حقا ؛ فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب .

                        فهذا اتباع للمتشابه ، لأن الكتاب في كلام العرب وفي الشرع على وجوه ؛ منها : الحكم والفرض ؛ كقوله تعالى : كتاب الله عليكم ، وقال تعالى : كتب عليكم الصيام ، وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فكان المعنى : لأقضين بينكما بكتاب الله ، أي بحكم الله الذي شرع لنا ، كما أن الكتاب يطلق على القرآن ، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة .

                        وفي الحديث : مثل أمتي كمطر ؛ لا يدرى أوله خير أم آخره ؟ ؛ قالوا : فهذا يقتضي أنه لم يثبت لأول هذه الأمة فضل على الخصوص دون آخرها ولا العكس .

                        ثم نقل : أن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ، فهذا يقتضي تفضيل الأولين والآخرين على الوسط .

                        ثم نقل : خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، فاقتضى أن الأولين أفضل على الإطلاق .

                        [ ص: 315 ] قالوا : فهذا تناقض !

                        وكذبوا ؛ ليس ثم تناقض ولا اختلاف ، وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأي في المقولات الشرعية : فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا ، وإما أن يمكن :

                        فإن لم يمكن ؛ فهذا الفرض بين قطعي وظني ، أو بين ظنيين ، فأما بين قطعيين ؛ فلا يقع في الشريعة ، ولا يمكن وقوعه ؛ لأن تعارض القطعيين محال .

                        فإن وقع بين قطعي وظني ؛ بطل الظني .

                        وإن وقع بين ظنيين ؛ فهاهنا للعلماء فيه الترجيح ، والعمل بالأرجح متعين .

                        ، وإن أمكن الجمع ؛ فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع ، وإن كان وجها ضعيفا ، فإن الجمع أولى عندهم ، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها .

                        فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا ؛ إما جهلا به ، أو عنادا .

                        فإذا ثبت هذا ؛ فقوله : خير القرون قرني ، هو الأصل في الباب ، فلا يبلغ أحدنا ( مبلغ ) الصحابة رضي الله عنهم . وما سواه يحتمل التأويل على حال أو زمان أو في بعض الوجوه .

                        وأما قوله : فطوبى للغرباء ؛ لا نص فيه على التفضيل المشار إليه ، بل هو دليل على جزاء حسن ، ويبقى النظر في كونهم مثل جزاء الصحابة أو دونه أو فوقه محتمل ، فليس في الحديث عليه دليل ، فلا بد من حمله الأصل ولا إشكال .

                        [ ص: 316 ] ومن ذلك قولهم بالتناقض في قوله صلى الله عليه وسلم : لا تفضلوني على يونس بن متى " ، و " لا تخيروا بين الأنبياء وبيني ، وقوله : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، ووجه الجمع بينهما ظاهر .

                        ومنه أنهم قالوا في قوله صلى الله عليه وسلم : إذا استيقظ أحدكم من نومه ؛ فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده : إن هذا الحديث يفسد آخره أوله ؛ فإن أوله صحيح لولا [ ص: 317 ] قوله : فإن أحدكم لا يدري كذا . . . . " ، فما منا أحد إلا درى أين باتت يده ، وأشد الأمور أن يكون مس بها فرجه ، ولو أن رجلا فعل ذلك في اليقظة ؛ لما طلب بغسل يده ، فكيف يطلب بالغسل ولا يدري هل مس فرجه أم لا ؟ !

                        وهذا الاعتراض من النمط ( الذي ) قبله ، إذ النائم قد يمس فرجه فيصيبه شيء من نجاسة في المحل لعدم استنجاء تقدم النوم ، أو يكون استجمر فوق موضع الاستجمار ، وهو لو كان يقظان فمس لعلم بالنجاسة إذا علقت بيده ، فيغسلها في الإناء ؛ لئلا يفسد الماء ، وإذا أمكن هذا ؛ لم يتوجه الاعتراض .

                        فجميع ما ذكر في هذا الفصل راجع إلى إسقاط الأحاديث بالرأي المذموم الذي تقدم الاستشهاد عليه أنه من البدع المحدثات .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية