الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


إذا ثبت هذا انتقلنا منه إلى معنى آخر : وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة ـ حسبما تبين في علم الأصول الدينية ـ فكذلك يقال في البدع المحرمة : إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها ـ كما تقدم ـ وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة . ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه وجميع ما قالوه لعله لا يوفي بذلك المقصود على الكمال فلنترك التفريع عليه .

وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات أن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة . وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال ، وكل ما نص عليه راجع إليها ، وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها ، وهو الذي يجمع [ ص: 540 ] أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه .

فكذلك نقول في كبائر البدع : ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة ، وما لا ، فهو صغيرة . وقد تقدمت لذلك أمثلة أول الباب . فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسن انحصار ـ حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب ـ كذلك تنحصر كبائر البدع أيضا ، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر التخلص عنه في إثبات الصغائر فيها . وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما أصلا وإما فرعا ، لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه أو نقصانا منه أو تغييرا لقوافيه ، أو ما يرجع إلى ذلك وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات ، وإن قلنا بدخولها في العادات ، بل تمنع في الجميع . وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين فهي إذا إخلال بأول الضروريات وهو الدين ، وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة ، وقال في الفرق : كلها في النار إلا واحدة وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل .

وهذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر ، كما أن القواعد الخمس أركان الدين وهي متفاوتة في الترتيب ، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة ، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة ، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان ، وكذلك سائرها مع الإخلال ، فكل منها كبيرة . فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة .

[ ص: 541 ] ويجاب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكره ، ففي النظر ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغيرة من أوجه :

أحدها : أنا نقول : الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال ، ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة ، فالقتل كبيرة ، وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها ، وقطع عضو واحد كبيرة دونها ، وهلم جرا إلى أن تنتهي إلى اللطمة ، ثم إلى أقل خدش يتصور ، فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة ، كما قال العلماء في السرقة : إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال . فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر . وهذا في ضرورة الدين أيضا .

فقد جاء في بعض الأحاديث عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال :

أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون الصلاة ، ولتنقضن عرى الإيمان عروة عروة ، وليصلين نساء وهن حيض ـ ثم قال ـ حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة تقول إحداهما : ما بال الصلوات الخمس ؟ لقد ضل من كان قبلنا ، إنما قال الله : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل لا تصلن إلا ثلاثا . وتقول أخرى : إنا لنؤمن بالله إيمان الملائكة ، ما فينا كافر ، حق على الله أن يحشرهما مع الدجال [ ص: 542 ] فهذا الأثر ـ وإن لم تلتزم عهدة صحته ـ مثال من أمثلة المسألة .

فقد نبه على أن في آخر الزمان من يرى أن الصلوات المفروضة ثلاث لا خمس ، وبين أن من النساء من يصلين وهن حيض . كأنه يعنى بسبب التعمق وطلب الاحتياط بالوساوس الخارج عن السنة . فهذه مرتبة دون الأولى .

وحكى ابن حزم أن بعض الناس زعم أن الظهر خمس ركعات لا أربع ركعات ، ثم وقع في العتبية . قال ابن القاسم : وسمعت مالكا يقول : أول من أحدث الاعتماد في الصلاة ـ حتى لا يحرك رجليه ـ رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره ، وقد كان مساء ( أي يساء الثناء عليه ) قال : قد عيب ذلك عليه ، وهذا مكروه من الفعل . قالوا : ومساء أي يساء الثناء عليه .

قال ابن رشد : جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة ، قاله في المدونة ، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى ، لأن ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين ، وهو من محدثات الأمور انتهى .

فمثل هذا ـ إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به أثر ـ فيقال في مثله : إنه من كبار البدع . كما يقال ذلك في الركعة [ ص: 543 ] الخامسة في الظهر ونحوها ، بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه ، وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة الدين ، فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب ، فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة .

والثاني : أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية ، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة ، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين ، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن ، وبدعة الخوارج في قولهم : لا حكم إلا لله . وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع ، بل ستجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية ، أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتي في بعض الفروع دون بعض كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك : التثويب ضلال ، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين ، وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين ، وما أشبه ذلك . فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها ، ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلا لها .

فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلا تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة ، ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة مخصوصا به لا عاما فيه وفي غيره ، ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد ، فلا قطع على أن جميعها من واحد ، وقد ظهر وجه انقسامها .

والثالث : أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر ، ولا شك أن البدع من جملة المعاصي ـ على مقتضى الأدلة المتقدمة ـ ونوع [ ص: 544 ] من أنواعها ، فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا ، ولا يخصص وجوها بتعميم الدخول في الكبائر ، لأن ذلك تخصيص من غير مخصص ، ولو كان ذلك معتبرا لاستثني من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم ، قسم البدع ، فكانوا ينصون على أن المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر ، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام ، فظهر أنه شامل لجميع أنواعها .

فإن قيل : إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا ، وإنما يدل ذلك على أنها تتفاضل ، فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف ، والخفة هل تنتهي إلى حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم ؟ هذا فيه نظر ، وقد ظهر معنى الكبيرة والصغيرة في المعاصي غير البدع .

وأما في البدع فثبت لها أمران :

أحدهما : أنها مضادة للشارع ومراغمة له ، حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة ، لا نصب المكتفي بما حد له .

والثاني : أن كل بدعة ـ وإن قلت ـ تشريع زائد أو ناقص ، أو تغيير للأصل الصحيح ، وكل ذلك قد يكون على الانفراد ، وقد يكون ملحقا بما هو مشروع ، فيكون قادحا في المشروع . ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا الكفر ، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير ـ قل أو كثر ـ كفر ، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر . فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو [ ص: 545 ] برأي غالط رآه ، أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر ، لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير .

ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء ، فالفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية ، وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني .

وأما الثالث : فلا حجة فيه لأن قوله عليه السلام : كل بدعة ضلالة وما تقدم من كلام السلف يدل على عموم الذم فيها . وظهر أنها مع المعاصي لا تنقسم ذلك الانقسام ، بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصي . واعتبر بما تقدم ذكره في الباب الثاني يتبين لك عدم الفرق فيها . وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال : كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع ، إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه ، فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار ، إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض ، فالأشد عقابا أكبر مما دونه ، وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة ، فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل ، لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل ، انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل ، والصغر والكبر ، من باب النسب والإضافات ، فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة [ ص: 546 ] إلى ما هو أكبر منه .

وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين لكن في انقسام المعاصي إلى الكبائر والصغائر فقال : المرضي عندنا أن كل ذنب كبير وعظيم بالإضافة إلى مخالفة الله ، ولذلك يقال : معصية الله أكبر من معصية العباد ، قولا مطلقا ، إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه ، فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها . ثم ذكر معنى ما تقدم ، ولم يوافقه غيره على ما قال وإن كان له وجه في النظر وقعت الإشارة إليه في كتاب الموافقات . ولكن الظاهر يأبى ذلك ـ حسبما ذكره غيره من العلماء ـ والظواهر في البدع لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها ـ حسبما تقدم ـ فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات ، كما صار اعتقاد نفي الكراهية التنزيه عنها من الواضحات .

فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه ، ولا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت ، بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدراك ، وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها ، بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها ، بل صاحب المعصية متنصل منها ، مقر لله بمخالفته لحكمها .

وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة . والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ، ولذلك قال [ ص: 547 ] مالك بن أنس : من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول : اليوم أكملت لكم دينكم إلى آخر الحكاية . وقد تقدمت .

ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال : أي فتنة فيها ؟ إنما هي أميال أزيدها . فقال : وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى آخر الحكاية ، وقد تقدمت أيضا ، فإذا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة .

فالجواب : أن ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه المسألة .

وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة وأن يكون غير عالم بذلك . وغير العالم بكونها بدعة على ضربين ، وهما المجتهد في استنباطها وتشريعها ، والمقلد له فيها . وعلى كل تقدير فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه إذا حكمنا له بحكم أهل الإسلام ، لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه أو النقصان منه أو التحريف له ، فلا بد له من تأويل كقوله : هي بدعة ولكنها مستحسنة أو يقول : إنها بدعة ولكني رأيت فلانا الفاضل يعمل بها أو يقر بها ولكنه يفعلها لحظ عاجل ، كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه ، أو فرارا من خوف على حظه ، أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة ، [ ص: 548 ] كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه ، وما أشبه ذلك .

وأما غير العالم وهو الواضع لها ، لأنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة ، بل هي عنده مما يلحق المشروعات ، كقول من جعل يوم الإثنين يصام لأنه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد لأنه عليه السلام ولد فيه ، وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية ، أو رغب في الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات دائما بناء على ما جاء في ذلك حالة الواحدة ، أو زاد في الشريعة أحاديث مكذوبة لينصر في زعمه سنة محمد صلى الله عليه وسلم . فلما قيل له : إنك تكذب عليه وقد قال :

من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار قال : لم أكذب عليه وإنما كذبت له . أو نقص منها تأويلا عليها لقوله تعالى في ذم الكفار : إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأسقط اعتبار الأحاديث المنقولة بالآحاد لذلك ولما أشبه ، لأن خبر الواحد ظني ، فهذه كلها من قبل التأويل .

وأما المقلد فكذلك أيضا لأنه يقول : فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل ويثني عليه ، كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء على أن شيوخ التصوف قد سمعوه وتواجدوا عليه ، ومنهم من مات بسببه ، وكتمزيق الثياب عند التواجد بالرقص وسواه لأنهم قد فعلوه ، وأكثر ما يقع مثل هذا في هؤلاء المنتمين إلى التصوف .

وربما احتجوا على بدعتهم بالجنيد و البسطامي والشبلي وغيرهم فيما صح عندهم أو لم يصح ، ويتركون أن يحتجوا بسنة الله ورسوله وهي التي [ ص: 549 ] لا شائبة فيها إذا نقلها العدول وفسرها أهلها المكبون على فهمها وتعلمها . ولكنهم مع ذلك لا يقرون بالخلاف للسنة بحثا ، بل يدخلون تحت أذيال التأويل ، إذ لا يرضى منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف للسنة أصلا .

وإذا كان كذلك فقول مالك : من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم خان الرسالة . وقوله لمن أراد أن يحرم من المدينة : أي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إلى آخر الحكاية ، إنها إلزام للخصم على عادة أهل النظر ، كأنه يقول : يلزمك في هذا القول كذا . لأنه يقول : قصدت إليه قصدا ، لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم ، ولازم المذهب : هل هو مذهب أم لا ؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول ، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضا : أن لازم المذهب ليس بمذهب ، فلذلك إذا قرر على الخصم أنكره غاية الإنكار ، فإذا اعتبار ذلك المعنى على التحقيق لا ينهض ، وعند ذلك تستوي البدعة مع المعصية صغائر وكبائر ، فكذلك البدع .

ثم إن البدع على ضربين : كلية وجزئية ، فأما الكلية فهي السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة ، ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين ، فإنها مختصة بالكليات منها دون الجزئيات ، [ ص: 550 ] حسبما يتبين بعد إن شاء الله .

وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية ، ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار ، وإن دخلت تحت الوصف بالضلال ، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة ، وإن كان داخلا تحت وصف السرقة ، بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول لها ، ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبا كالفرقة ، والخروج عن الجماعة وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة ، والفلتة ولذلك لا يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في فرد من أفراد الفروع ، ولا المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية . فعلى هذا ; إذا اجتمع في البدعة وصفان ، كونها جزئية ، وكونها بالتأويل صح أن تكون صغيرة ـ والله أعلم ـ ومثاله ، مسألة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس ، وضاحيا يستظل ، ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار . . . وما أشبه ذلك مما تقدم ذكره ويأتي . غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة ، وقد تكون خفية كما أن التأويل قد يقرب مأخذه ، وقد يبعد فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل فيعد كبيرة ما هو من الصغائر ، وبالعكس فيوكل النظر فيه إلى الاجتهاد

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث