الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الرابعة فيما قيل إن عبد الله بن سلام وأمثاله أسلموا بالشواهد التي في كتبهم

قال السائل :

فإن قلتم : إن عبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار ، ونحوهما شهدوا لنا بذلك من كتبهم ، فهلا أتى ابن سلام وأصحابه الذين أسلموا بالنسخ التي لهم كي تكون شاهدة علينا ؟ والجواب من وجوه :

[ ص: 433 ] أحدها : أن شواهد النبوة وآيتها لا تنحصر فيما عند أهل الكتاب من نعت النبي وصفته ، وشواهدها متنوعة متعددة جدا ، ونعته في الكتب المتقدمة فرد من أفرادها .

وجمهور أهل الأرض لم يكن إسلامهم عن الشواهد والأخبار التي في كتبكم ، وأكثرهم لا يعلمونها ولا سمعوها بل أسلموا للشواهد التي عاينوها ، والآيات التي شاهدوها ، وجاءت تلك الشواهد التي عند أهل الكتاب مقوية وعاضدة من باب تقوية البنية ، وقد تم النصاب بدونها . فهؤلاء العرب من أولهم إلى آخرهم لم يتوقف إسلامهم على معرفة ما عند أهل الكتاب من الشواهد ، وإن كان ذلك قد بلغ بعضهم وسمعه منهم قبل النبوة وبعدها ، كما كان الأنصار يسمعون من اليهود صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه ومخرجه ، فلما عاينوه وأبصروه عرفوه بالنعت الذي أخبرهم به اليهود فسبقوهم إليه ، فشرق أعداء الله بريقهم وغصوا بمائهم ، وقالوا : ليس هو الذي كنا نعدهم به .

والعلم بنبوة محمد والمسيح وموسى لا يتوقف على العلم بأن من قبلهم أخبرهم وبشر بنبوتهم ، بل طرق العلم بها متعددة ، فإذا عرفت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق من الطرق ثبتت نبوته ووجب اتباعه ، وإن لم يعلم أن من قبله بشر به . وإذا علمت نبوته بما قام عليها من البراهين ، فإما أن يكون تبشير من قبله به لازما لنبوته ، وإما أن لا يكون لازما ، فإن لم يكن لازما لم يجب وقوعه ولا يتوقف تصديق النبي عليه ، بل يجب تصديقه بدونه ، وإن كان لازما علم قطعا أنه قد وقع ، وعدم نقله إلينا لا يدل على عدم وقوعه ، إذ لا يلزم من وجود الشيء نقله العام ولا الخاص ، وليس كل ما أخبر به موسى والمسيح [ ص: 434 ] وغيرهما من الأنبياء المتقدمين وصل إلينا ، وهذا مما علم بالاضطراد . فلو قدر أن البشارة بنبوته صلى الله عليه وسلم ليست في الكتب الموجودة بأيديكم ، لم يلزم أن لا يكون غيره بشر به ، ولم ينفك ، ويمكن أن يكون في كتب غير هذه المشهورة المتداولة بينكم ، فلم تزل عند كل أمة كتب لا يطلع عليها إلا بعض خاصتهم ، فضلا عن جميع عامتهم ، ويمكن أنه كان في بعضها فأزيل منه وبدل ، ونسخت النسخ من هذه التي قد بدلت واشتهرت ، بحيث لا يعرف غيرها ، واختفى أمر تلك النسخ الأولى ، وهذا كله ممكن ، لا سيما من الأمة التي تواطأت على تبديل دين نبيها وشريعته ، هذا كله على تقدير عدم البشارة به في شيء من كتبهم أصلا . ونحن قد ذكرنا من البشارات به في كتبهم ما لا يمكن منهم جحده والمكابرة فيه ، وإن أمكنهم المغالطة بالتأويل عند رعاعهم وجهالهم .

الوجه الثاني : أن عبد الله بن سلام قد قابل اليهود ووافقهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ذكره ونعته وصفته في كتبهم ، وأنهم يعلمون أنه رسول الله ، وقد شهدوا بأنه أعلمهم وابن أعلمهم ، وخيرهم وابن خيرهم ، فلم يضر قولهم بعد ذلك أنه شرهم وابن شرهم ، وجاهلهم وابن جاهلهم ، كما إذا شهد على رجل شاهد عند الحاكم فسأله عنه فعدله وقال : إنه مقبول الشهادة عدل رضي لا يشهد إلا بالحق ، وشهادته جائزة علي ، فلما أدى الشهادة قال : إنه كاذب شاهد زور ، ومعلوم أن هذا لا يقدح في شهادته . وأما كعب الأحبار فقد ملأ الدنيا من الأخبار بما في النبوات المتقدمة من البشارة به ، وصرح بها بين أظهر المسلمين واليهود والنصارى ، وأذن بها على رءوس الملأ ، وصدقه مسلمو أهل الكتاب عليها ، وأخبروه على ما أخبر به ، فإنه كان أوسعهم علما في كتب الأنبياء ، وقد كان الصحابة يمتحنون ما ينقله ويزنونه بما يعرفون صحته فيعلمون صدقه ، وشهدوا [ ص: 435 ] له بأنه أصدق من يحكون لهم عن أهل الكتاب أو من أصدقهم .

ونحن اليوم ننوب عن عبد الله بن سلام وقد وجدنا هذه البشارات في كتبكم ، وهي شاهدة لنا عليكم ، والكتب بأيديكم فأتوا بها فاتلوها إن كنتم صادقين .

وعندنا ممن وفقه الله للإسلام منكم من يوافقكم ويقابلكم ويحاققكم عليها ، وإلا فاشهدوا على أنفسكم بما شهد الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون به عليكم من الكفر والتكذيب والجحد للحق ومعاداة الله ورسوله .

الوجه الثالث : أنه لو أتاكم عبد الله بن سلام بكل نسخة متضمنة لغاية البيان والصراحة لكان في بهتكم وعنادكم وكذبكم ما يدفع في وجوهها ويحرفها أنواع التحريف ما وجد إليه سبيلا ، فإذا جاءكم ما لا قبل لكم به قلتم ليس به ، ولم يأت بعد ، وقلتم : نحن لا نفارق حكم التوراة ، ولا نتبع نبي الأميين ، وقد صرح أسلافكم الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاينوه أنه رسول الله حقا ، وأنه المبشر به الموعود به على ألسنة الأنبياء المتقدمين ، وثم من قال له منهم في وجهه : نشهد أنك نبي ، فقال : ما يمنعكما من اتباعي ؟ ، قال : إنا نخاف أن تقتلنا يهود ، وقد قال تعالى : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم .

وقد جاءكم آيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر ، بحيث إن كل آية منها يصلح أن يؤمن على مثلها البشر ، فما زادكم ذلك إلا نفورا وتكذيبا وإباء لقبول الحق ، فلو أنزل إليكم ملائكته وكلمكم الموتى وشهد له بالنبوة كل رطب ويابس لغلبت عليكم الشقوة وصرتم إلى ما سبق لكم في أم الكتاب . وقد رأى من كان أعقل منكم وأبعد من [ ص: 436 ] الحسد من آيات الأنبياء ما رأوا ، وما زادكم ذلك إلا تكذيبا وعنادا ، فأسلافكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم لا يحصيهم إلا الله ، حتى كأنكم تواصيتم بذلك ، أوصى به الأول للآخر واقتدى فيه الآخر بالأول ، قال تعالى : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون ، وهبنا أنا ضربنا من أخبار الأنبياء المتقدمين به صفحا ، أفليس في الآيات والبراهين التي ظهرت على يديه ما يشهد لصحة نبوته ؟ ! وسنذكر منها بعد الفراغ من الأجوبة طرفا يقطع المعذرة ، ويقيم الحجة ، والله المستعان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث