الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط جواز الرجعة فمنها قيام العدة ، فلا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة ; لأن الرجعة استدامة الملك ، والملك يزول بعد انقضاء العدة ، فلا تتصور الاستدامة إذ الاستدامة للقائم لصيانته عن الزوال لا للمزيل كما في البيع بشرط الخيار للبائع إذا مضت مدة الخيار أنه لا يملك استيفاء الملك في المبيع بزوال ملكه بمضي المدة .

كذا هذا ، ولو طهرت عن الحيضة الثالثة ثم راجعها فهذا على وجهين : إن كانت أيامها في الحيض عشرا لا تصح الرجعة ، وتحل للأزواج بمجرد انقطاع العدة ; لأن انقضاءها بانقضاء الحيضة الثالثة وقد انقضت بيقين لانقطاع دم الحيض بيقين إذ لا مزيد للحيض على عشرة .

ألا ترى أنها إذا رأت أكثر من عشرة لم يكن الزائد على العشرة حيضا فتيقنا بانقضاء العدة .

ولا رجعة بعد انقضاء العدة ، وإن كانت أيامها دون العشرة فإن كانت تجد ماء فلم تغتسل ولا تيممت وصلت به ولا مضى عليها وقت كامل من أوقات أدنى الصلوات إليها لا تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج ، وهذا عندنا .

وقال الشافعي لا أعرف بعد الأقراء معنى معتبرا في انقضاء العدة ، وهذا خلاف الكتاب العزيز ، والسنة ، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم : أما الكتاب فقوله - عز وجل - { ولا تقربوهن حتى يطهرن } أي : يغتسلن .

وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الزوج أحق برجعتها ما دامت في مغتسلها } .

وروي { ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة } ، وأما إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روى علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : كنت عند عمر رضي الله عنه فجاء رجل وامرأة فقال الرجل : زوجتي طلقتها وراجعتها فقالت : ما يمنعني ما صنع أن أقول ما كان ، إنه طلقني ، وتركني حتى حضت الحيضة الثالثة وانقطع الدم ، وغلقت بابي ، ووضعت غسلي ، وخلعت ثيابي فطرق الباب فقال قد راجعتك ، فقال عمر رضي الله عنه : قل فيها يا ابن أم عبد فقلت : أرى أن الرجعة قد صحت ما لم تحل لها الصلاة ، فقال عمر : لو قلت غير هذا لم أره صوابا [ ص: 184 ]

وروي عن مكحول أن أبا بكر ، وعمر ، وعليا وابن مسعود ، وأبا الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وعبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنهم كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين إنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ، ترثه ، ويرثها ما دامت في العدة ، فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على اعتبار الغسل فكان قوله مخالفا للحديث ، وإجماع الصحابة ، فلا يعتد به .

ولأن أيامها إذا كانت أقل من عشرة لم تستيقن بانقطاع دم الحيض لاحتمال المعاودة في أيام الحيض ، إذ الدم لا يدر درا واحدا ولكنه يدر مرة ، وينقطع أخرى فكان احتمال العود قائما ، والعائد يكون دم حيض إلى العشرة فلم يوجد انقطاع دم الحيض بيقين ، فلا يثبت الطهر بيقين فتبقى العدة ; لأنها كانت ثابتة بيقين ، ، والثابت بيقين لا يزول بالشك كمن استيقن بالحدث ، وشك في الطهارة بخلاف ما إذا كانت أيامها عشرا ; لأنه هناك لا يحتمل عود دم الحيض بعد العشرة إذ العشرة أكثر الحيض فتيقنا بانقطاع دم الحيض فيزول الحيض ضرورة ، ويثبت الطهر ، وههنا بخلافه على ما بينا ، والشافعي بنى قوله في هذا على أصله أن العدة تنقضي بالأطهار لا بالحيض فإذا طعنت في أول الحيضة الثالثة فقد انقضت العدة من غير حاجة إلى شيء آخر ، ويستدل على بطلان هذا الأصل في موضعه إن شاء الله تعالى فيبطل الفرع ضرورة ، وإذا اغتسلت انقطعت الرجعة ; لأنه ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات ، وهو إباحة أداء الصلاة إذ لا يباح أداؤها للحائض فتقرر الانقطاع بقرينة الاغتسال فتنقطع الرجعة ، ، وكذا إذا لم تغتسل لكن مضى عليها وقت الصلاة تنقطع الرجعة ; لأنه لما مضى عليها وقت الصلاة صارت الصلاة دينا في ذمتها ، وهذا من أحكام الطاهرات إذ لا تجب الصلاة على الحائض ، فلا تصير دينا عليها فاستحكم الانقطاع بهذه القرينة فانقطعت الرجعة ، وكذلك إذا لم تجد الماء بأن كانت مسافرة فتيممت وصلت ; لأن صحة الصلاة حكم من أحكام الطاهرات إذ لا صحة لها مع قيام الحيض فقد يضاف إلى الانقطاع حكم من أحكام الطاهرات فاستحكم الانقطاع فتنقطع الرجعة فأما إذا تيممت ولم تصل فهل تنقطع الرجعة ؟ اختلف فيه أصحابنا : قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : لا تنقطع .

وقال محمد : تنقطع .

( وجه ) قوله أنها لما تيممت فقد ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات ، وهو إباحة الصلاة ، فلا يبقى الحيض ضرورة كما لو اغتسلت أو تيممت وصلت به .

( وجه ) قولهما على نحو ما ذكرنا أن أيامها إذا كانت دون العشرة لم تستيقن بانقضاء عدتها بنفس انقطاع الدم من غير قرينة تنضم إليه لاحتمال أن يعاودها الدم في العشرة فتبين أنها حائض ، والحيض كان ثابتا بيقين ، فلا يحكم بزواله إلا عند وجود الطهر بيقين ولم يوجد ، وبقرينة التيمم لا تصير في حكم الطاهرات بيقين ; لأنه ليس بطهور حقيقة ، وإنما جعل طهورا شرعا عند عدم الماء لقوله تعالى { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } والدليل عليه أنها لو رأت الماء قبل الشروع في الصلاة أو بعدما شرعت فيها قبل الفراغ منها بطل تيممها فكان التيمم طهارة مطلقة شرعا لكن حال عدم الماء واحتمال وجود الماء في كل ساعة قائم ، فكان احتمال عدم الطهورية ثابتا فلم توجد الطهارة الحاصلة بيقين فتبقى نجاسة الحيض إلا أنه أبيح لها أداء الصلاة به لعدم الماء في الحالين من حيث الظاهر مع احتمال الوجود فإذا لم تجد الماء وصلت به ، وفرغت من الصلاة فقد استحكم العدم فاستحكمت الطهارة الحاصلة بالتيمم ، فلا يبقى الحيض ، فأما قبل ذلك فاحتمال عدم الطهارة ثابت لاحتمال وجود الماء ، فلا يكون طهارة شرعا بيقين بل مع الاحتمال فيبقى حكم الحيض الثابت بيقين ، بخلاف الاغتسال ; لأنه طهارة بيقين لكون الماء طهورا مطلقا فإذا ثبتت الطهارة بيقين انتفى الحيض ضرورة ; لأنه ضدها بخلاف التيمم على ما بيناه ، وبخلاف ما إذا مضى عليها وقت كامل من أوقات الصلاة ; لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها بيقين فقد ثبت في حقها حكم من أحكام الطاهرات بيقين ، فلا يبقى الحيض بيقين فتنقضي العدة بيقين ولو اغتسلت بسؤر الحمار انقطعت الرجعة بنفس الاغتسال بالإجماع ولكنها لا تحل للأزواج ; لأن سؤر الحمار مشكوك فيه إما في طهوريته أو في طهارته على اختلافهم في ذلك ، فإن كان ذلك طاهرا أو طهورا انقطعت الرجعة ، وتحل للأزواج لانقضاء العدة لتقرر الانقطاع بالاغتسال ، وإن لم يكن أو كان طاهرا غير طهور لا تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج فإذا وقع الشك لزم الاحتياط في ذلك كله ، وذلك فيما قلنا ، وهو أن تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج أخذا بالثقة في الحكمين احترازا عن الحرمة في البابين ولا [ ص: 185 ] تصلي بذلك الغسل ما لم تتيمم ، ولو اغتسلت المعتدة وبقي من بدنها شيء لم يصبه الماء فالباقي لا يخلو أما إن كان عضوا كاملا .

وأما إن كان أقل من عضو فإن كان عضوا كاملا فله الرجعة ، وإن كان أقل من عضو ، فلا رجعة له ، ثم اختلف أبو يوسف ، ومحمد فقال أبو يوسف : قوله : لا رجعة له في الأقل هذا استحسان ، والقياس أن يكون له فيه الرجعة ، فمحمد قاس المتروك إذا كان عضوا على ترك المضمضة ، والاستنشاق .

وقال - رحمه الله : هناك تنقطع الرجعة ، والقياس عليه أن تنقطع هنا أيضا إلا أنهم استحسنوا وقالوا لا تنقطع الرجعة ; لأن العضو الكامل مجمع على وجوب غسله ، وهو مما لا يتغافل عنه عادة فتنقطع الرجعة كما لو كان المتروك زائدا على عضو بخلاف المضمضة ، والاستنشاق ; لأن ذلك غير مجمع على وجوبه ، مجتهد فيه ، ، وأبو يوسف يقول : المتروك ، وإن قل فحكم الحدث باق .

ألا ترى أنه لا تباح معه ، وإن قل ، ومع بقاء الحدث لا تثبت الطهارة ، وهذا يوجب التسوية بين القليل والكثير إلا أنهم استحسنوا في القليل ، وهو ما دون العضو فقالوا : إنه تنقطع الرجعة فيه ; لأن هذا القدر مما يتغافل عنه عادة ، ويحتمل أيضا أنه أصابه الماء ثم جف فيحكم بانقطاع الرجعة فيه ، ويبقى الأمر في العضو التام على أصل القياس واختلفت الرواية عن أبي يوسف في المضمضة ، والاستنشاق روي عنه أنه تنقطع الرجعة ، وروي عنه أيضا أنه لا تنقطع الرجعة .

وقال محمد : تبين من زوجها ولكنها لا تحل للأزواج .

وجه قوله هو إحدى الروايتين عن أبي يوسف في انقطاع الرجعة أن وجوب المضمضة ، والاستنشاق مختلف فيه ، وموضع الاجتهاد موضع تعارض الأدلة ، فلا يخلو عن الشك ، والشبهة ، والرجعة يسلك بها مسلك الاحتياط ، فلا يجوز بقاؤها بالشك فينقطع ولا يجوز إثبات حال التزوج بالشك أيضا ، لذلك لم يجزه محمد .

وجه الرواية الأخرى لأبي يوسف أن الحديث قد بقي في عضو كامل فتبقى الرجعة ، هذا إذا كانت المطلقة مسلمة ، فأما إذا كانت كتابية فقد قالوا : إن الرجعة تنقطع عنها بنفس انقطاع الدم ; لأنها غير مخاطبة بالغسل ولا يلزمها فرض الغسل كالمسلمة إذا اغتسلت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث