الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرط وجوب هذه النفقة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرط وجوب هذه النفقة فلوجوبها شرطان : أحدهما يعم النوعين جميعا أعني : نفقة النكاح ونفقة العدة .

والثاني يخص أحدهما وهو نفقة العدة أما الأول فتسليم المرأة نفسها إلى الزوج وقت وجوب التسليم ونعني بالتسليم : التخلية وهي أن تخلي بين نفسها وبين زوجها برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة إذا كان المانع من قبلها أو من قبل غير الزوج فإن لم يوجد التسليم على هذا التفسير وقت وجوب التسليم ; فلا نفقة لها وعلى هذا يخرج مسائل : إذا [ ص: 19 ] تزوج بالغة حرة صحيحة سليمة ونقلها إلى بيته فلها النفقة لوجود سبب الوجوب وشرطه وكذلك إذا لم ينقلها وهي بحيث لا تمنع نفسها وطلبت النفقة ولم يطالبها بالنقلة فلها النفقة ; لأنه وجد سبب الوجوب وهو استحقاق الحبس وشرطه وهو التسليم على التفسير الذي ذكرنا فالزوج بترك النقلة ترك حق نفسه مع إمكان الاستيفاء فلا يبطل حقها في النفقة فإن طالبها بالنقلة فامتنعت فإن كان امتناعها بحق بأن امتنعت لاستيفاء مهرها العاجل - فلها النفقة ; لأنه لا يجب عليها التسليم قبل استيفاء العاجل من مهرها ، فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم وعلى هذا قالوا : لو طالبها بالنقلة بعد ما أوفاها المهر إلى دار مغصوبة فامتنعت فلها النفقة ; لأن امتناعها بحق فلم يجب عليها التسليم فلم تمتنع من التسليم حال وجوب التسليم ولو كانت ساكنة منزلها فمنعته من الدخول عليها لا على سبيل النشوز فإن قالت حولني إلى منزلك أو اكتر لي منزلا أنزله فإني أحتاج إلى منزلي هذا آخذ كراءه - فلها النفقة ; لأن امتناعها عن التسليم في بيتها لغرض التحويل إلى منزله أو إلى منزل الكراء امتناع بحق ; فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم وإن كان بغير حق بأن كان الزوج قد أوفاها مهرها أو كان مؤجلا ; فلا نفقة لها لانعدام التسليم حال وجوب التسليم فلم يوجد شرط الوجوب فلا تجب ، ولهذا لم تجب النفقة للناشزة وهذه ناشزة ، ولو منعت نفسها عن زوجها بعد ما دخل بها برضاها لاستيفاء مهرها فلها النفقة عند أبي حنيفة ; لأنه منع بحق عنده وعندهما لا نفقة لها لكونه منعا بغير حق عندهما ولو منعت نفسها عن زوجها بعد ما دخل بها على كره منها فلها النفقة ; لأنها محقة في المنع وإن كانت صغيرة يجامع مثلها فهي كالبالغة في النفقة ; لأن المعنى الموجب للنفقة يجمعهما وإن كانت لا يجامع مثلها ; فلا نفقة لها عندنا وعند الشافعي لها النفقة بناء على أن سبب الوجوب عنده النكاح وشرطه عدم النشوز وقد وجد وشرط الوجوب عندنا تسليم النفس ولا يتحقق التسليم في الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا منها ولا من غيرها لقيام المانع في نفسها من الوطء والاستمتاع لعدم قبول المحل لذلك فانعدم شرط الوجوب ; فلا يجب ، وقال أبو يوسف إذا كانت الصغيرة تخدم الزوج وينتفع الزوج بها بالخدمة فسلمت نفسها إليه فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها .

فإن أمسكها فلها النفقة وإن ردها فلا نفقة لها ; لأنها لم تحتمل الوطء لم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد فكان له أن يمتنع من القبول فإن أمسكها فلها النفقة ; لأنه حصل له منها نوع منفعة وضرب من الاستمتاع وقد رضي بالتسليم القاصر ، وإن ردها فلا نفقة لها حتى يجيء حال يقدر فيها على جماعها لانعدام التسليم الذي أوجبه العقد وعدم رضاه بالتسليم القاصر وإن كان الزوج صغيرا والمرأة كبيرة ; فلها النفقة لوجود التسليم منها على التفسير الذي ذكرنا وإنما عجز الزوج عن القبض لأنه ليس بشرط لوجوب النفقة ، وكذلك لو كان الزوج مجبوبا أو عنينا أو محبوسا في دين أو مريضا لا يقدر على الجماع أو خارجا للحج فلها النفقة لما قلنا ولو كانت المرأة مريضة قبل النقلة مرضا يمنع من الجماع فنقلت وهي مريضة فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضا فإذا طلبت النفقة فلم ينقلها الزوج وهي لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج وإن كانت تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة كذا ذكر في ظاهر الرواية .

وروي عن أبي يوسف أنه لا نفقة لها قبل النقلة فإذا نقلت وهي مريضة ; فله أن يردها ، وجه رواية أبي يوسف أنه لم يوجد التسليم ; إذ هو تخلية وتمكين ولا يتحقق ذلك مع المانع وهو تبوء المحل فلا تستحق النفقة كالصغيرة التي لا تحتمل الوطء وإذا أسلمت نفسها وهي مريضة له أن يردها ; لأن التسليم الذي أوجبه العقد وهو التسليم الممكن من الوطء لما لم يوجد ; كان له أن لا يقبل التسليم الذي لم يوجبه العقد وهكذا قال أبو يوسف في الصغيرة التي لم يجامع مثلها : أن له أن يردها ; لما قلنا ، وجه ظاهر الرواية أن التسليم في حق التمكين من الوطء إن لم يوجد فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع وهذا يكفي لوجوب النفقة كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان وإذا امتنعت فلم يوجد منها التسليم رأسا ; فلا تستحق النفقة ، وقال أبو يوسف : إذا كانت المريضة تؤنسه وينتفع بها في غير الجماع فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها

فإن أمسكها فلها النفقة وإن ردها فلا نفقة لها ; لما ذكرنا في الصغيرة وإن نقلت وهي صحيحة ثم مرضت في بيت الزوج مرضا لا تستطيع معه الجماع لم تبطل نفقتها بلا خلاف ; لأن التسليم المطلق وهو التسليم [ ص: 20 ] الممكن من الوطء والاستمتاع قد حصل بالانتقال ; لأنها كانت صحيحة كذا الانتقال ثم قصر التسليم لعارض يحتمل الزوال فأشبه الحيض أو نقول التسليم المستحق بالعقد في حق المريضة التي لا تحتمل الجماع قبل الانتقال وبعده هو التسليم في حق الاستمتاع لا في حق الوطء كما في حق الحائض وكذا إذا نقلها ثم ذهب عقلها فصارت معتوهة مغلوبة أو كبرت فطعنت في السن حتى لا يستطيع زوجها جماعها أو أصابها بلاء - فلها النفقة ; لما قلنا .

ولو حبست في دين ذكر في الجامع الكبير أن لا نفقة لها ولم يفصل بين ما إذا كان الحبس قبل الانتقال أو بعده وبين ما إذا كانت قادرة على التخلية أو لا ; لأن حبس النكاح قد بطل بإعراض حبس الدين ; لأن صاحب الدين أحق بحبسها بالدين وفات التسليم أيضا بمعنى من قبلها وهو مطلبها فصارت كالناشز ، وذكر الكرخي أنها إذا كانت محبوسة في دين من قبل النقلة فإن كانت تقدر على أن تخلي بينه وبين نفسها فلها النفقة وإن كانت في موضع لا تقدر على التخلية فلا نفقة لها وهذا تفسير ما أجمله محمد في الجامع ; لأنها إذا كانت تقدر على أن توصله إليها ; فالظاهر منها عدم المنع لو طالبها الزوج وهذا تفسير التسليم فإن لم يطالبها فالتقصير جاء من قبله فلا يسقط حقها ، وإن كانت لا تقدر على التخلية فالتسليم فات بمعنى من قبلها وهو مماطلتها فلا تستوجب النفقة ولو حبست بعد النقلة لم تبطل نفقتها لما قلنا في المريضة ، وذكر القدوري أن ما ذكره الكرخي في الحبس محمول على ما إذا كانت محبوسة لا تقدر على قضائه فأما إذا كانت قادرة على القضاء فلم تقض فلا نفقة لها وهذا صحيح ; لأنها إذا لم تقض مع القدرة على القضاء صارت كأنها حبست نفسها فتصير بمعنى الناشزة ولو فرض القاضي لها النفقة ثم أخذها رجل كارهة فهرب بها شهرا أو غصبها غاصب لم يكن لها نفقة في المدة التي منعها لفوات التسليم لا لمعنى من جهة الزوج .

وروي عن أبي يوسف أن لها النفقة ; لأن الفوات ما جاء من قبلها ، والرتقاء والقرناء لهما النفقة بعد النقلة وقبلها إذا طلبتا ولم يظهر منهما الامتناع في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أن لهما النفقة بعد الانتقال فأما قبل الانتقال فلا نفقة لهما ، وجه رواية أبي يوسف أن التسليم الذي أوجبه العقد لم يوجد في حقهما قبل الانتقال وبعده إلا أنه لما قبلهما مع العلم بالعيب فقد رضي بالتسليم القاصر كما قال في المريضة ، إلا أن ههنا قال : لا يجوز له أن يردهما ، وقال في الصغيرة التي ينتفع بها في الخدمة والمريضة التي يستأنس بها أن له أن يردهما ، وجه ظاهر الرواية أن العقد انعقد في حقهما موجبا تسليم مثلهما وهو التمكين من الاستمتاع دون الوطء وهذا النوع من التسليم يكفي لاستحقاق النفقة كتسليم الحائض والنفساء والمحرمة والصائمة مع ما أن التسليم المطلق يتصور منهما بواسطة إزالة المانع من الرتق والقرن بالعلاج فيمكن الانتفاع بهما وطئا ، ولو حجت المرأة حجة فريضة فإن كان ذلك قبل النقلة فإن حجت بلا محرم ولا زوج ; فهي ناشزة وإن حجت مع محرم لها دون الزوج فلا نفقة لها في قولهم جميعا ; لأنها امتنعت من التسليم بعد وجوب التسليم فصارت كالناشزة ، وإن كانت انتقلت إلى منزل الزوج ثم حجت مع محرم لها دون الزوج فقد قال أبو يوسف : لها النفقة وقال محمد : لا نفقة لها ، وجه قول محمد أن التسليم قد فات بأمر من قبلها وهو خروجها فلا تستحق النفقة كالناشزة ولأبي يوسف أن التسليم المطلق قد حصل بالانتقال إلى منزل الزوج ثم فات بعارض أداء فرض وهذا لا يبطل النفقة كما لو انتقلت إلى منزل زوجها ثم لزمها صوم رمضان أو نقول حصل التسليم المطلق بالانتقال ثم فات لعذر فلا تسقط النفقة كالمريضة ثم إذا وجبت لها النفقة على أصل أبي يوسف يفرض لها القاضي نفقة الإقامة لا نفقة السفر ; لأن الزوج لا يلزمه إلا نفقة الحضر فأما زيادة المؤنة التي تحتاج إليها المرأة في السفر من الكراء ونحو ذلك فهي عليها لا عليه ; لأنها لأداء الفرض ، والفرض عليها فكانت تلك المؤنة عليها لا عليه كما لو مرضت في الحضر كانت المداواة عليها لا على الزوج فإن جاورت بمكة أو أقامت بها بعد أداء الحج إقامة لا تحتاج إليها سقطت نفقتها ; لأنها غير معذورة في ذلك فصارت كالناشزة فإن طلبت نفقة ثلاثة أشهر قدر الذهاب والمجيء ; لم يكن على الزوج ذلك ولكن يعطيها نفقة شهر واحد فإذا عادت أخذت ما بقي ; لأن الواجب عليه لها نفقة الإقامة لا نفقة السفر ، ونفقة الإقامة تفرض لها كل شهر فشهر [ ص: 21 ] وهذه الجملة لا تتفرع على أصل محمد هذا إذا لم يخرج الزوج معها إلى الحج ، فأما إذا خرج فلها النفقة بلا خلاف لوجود التسليم المطلق لإمكان الانتفاع بها وطئا واستمتاعا في الطريق فصارت كالمقيمة في منزله ، ولو آلى منها أو ظاهر منها فلها النفقة ; لأن حق الحبس قائم والتسليم موجود ولتمكنه من وطئها والاستمتاع بها بغير واسطة في الإيلاء وبواسطة تقديم الكفارة في الظهار فوجد سبب وجوب النفقة وشرط وجوبها فتجب ، ولو تزوج أخت امرأته أو عمتها أو خالتها ولم يعلم بذلك حتى دخل بها ; فرق بينهم ووجب عليه أن يعتزلها مدة عدة أختها فلامرأته النفقة لوجود سبب الوجوب وشرطه وهو التسليم إلا أنه امتنع الانتفاع بها بعارض يزول فأشبه الحيض والنفاس وصوم رمضان ولا نفقة لأختها وإن وجبت عليها العدة ; لأنها معتدة من نكاح فاسد وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا تزوج حر أو عبد أمة أو قنة أو مدبرة أو أم ولد أنه إن بوأها المولى تجب النفقة وإلا فلا ; لأن سبب الوجوب وهو حق الحبس وشرطه وهو التسليم لا يتحقق بدون التبوئة ; لأن التبوئة هو أن يخلي المولى بينها وبين زوجها في منزل زوجها لا يستخدمها فإذا كانت مشغولة بخدمة المولى ; لم تكن محبوسة عند الزوج ولا مسلمة إليه ولا يجبر المولى على التبوئة ; لأن خدمتها حق المولى فلا يجبر الإنسان على إيفاء حق نفسه لغيره فإن بوأها المولى ثم بدا له أن يستخدمها فله ذلك لما ذكرنا أن خدمتها حق المولى ; لأن منافع سائر الأعضاء بقيت على ملكه وإنما أعارها للزوج بالتبوئة وللمعير أن يسترد عاريته ولا نفقة على الزوج مدة الاستخدام لفوات التسليم فيها من جهة المولى ، ولو بوأها مولاها بيت الزوج فكانت تجيء في أوقات إلى مولاها فتخدمه من غير أن يستخدمها قالوا لا تسقط نفقتها ; لأن الاسترداد إنما يحصل بالاستخدام ولم يوجد ولأن هذا القدر من الخدمة لا يقدح في التسليم كالحرة إذا خرجت إلى منزل أبيها وإن كانت مكاتبة تزوجت بإذن المولى حتى جاز العقد فلها النفقة ولا يشترط التبوئة ; لأن خدمتها ليست حق المولى ; إذ لا حق للمولى في منافعها ; ألا ترى أنه ليس للمولى أن يستخدمها فكانت في منافعها كالحرة فيجبر المولى على التسليم ويجب على الزوج النفقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث