الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان كيفية وجوب هذه النفقة

جزء التالي صفحة
السابق

وأما الثاني فلوجوب الفرض على القاضي وجوازه منه شرطان أحدهما طلب المرأة الفرض منه ; لأنه إنما يفرض النفقة على الزوج حقا لها فلا بد من الطلب من صاحب الحق والثاني : حضرة الزوج حتى لو كان الزوج غائبا فطلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها عليه نفقة لم يفرض وإن كان القاضي عالما بالزوجية وهذا قول أبي حنيفة الآخر وهو قول شريح وقد كان أبو حنيفة أولا يقول : وهو قول إبراهيم النخعي : إن هذا ليس بشرط ويفرض القاضي النفقة على الغائب وحجة هذا القول ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه { قال لهند امرأة أبي سفيان خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } وذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كان فرضا للنفقة على أبي سفيان وكان غائبا وحجة القول الأخير أن الفرض من القاضي على الغائب قضاء عليه .

وقد صح من أصلنا أن القضاء على الغائب لا يجوز إلا أن يكون عنه خصم حاضر ولم يوجد .

وأما الحديث فلا حجة له فيه ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال لهند على سبيل الفتوى لا على طريق القضاء بدليل أنه لم يقدر لها ما تأخذه من مال أبي سفيان وفرض النفقة من القاضي تقديرها فإذا لم تقدر لم تكن فرضا فلم تكن قضاء تحقيقه أن من يجوز القضاء على الغائب فإنما يجوزه إذا كان غائبا [ ص: 27 ] غيبة سفر فأما إذا كان في المصر فإنه لا يجوز بالإجماع ; لأنه لا يعد غائبا وأبو سفيان لم يكن مسافرا فدل أن ذلك كان إعانة لا قضاء فإن لم يكن القاضي عالما بالزوجية فسألت القاضي أن يسمع بينتها بالزوجية ويفرض على الغائب - قال أبو يوسف : لا يسمعها ولا يفرض ، وقال زفر : يسمع ويفرض لها وتستدين عليه فإذا حضر الزوج وأنكر يأمرها بإعادة البينة في وجهه فإن فعلت نفذ الفرض وصحت الاستدانة ، وإن لم يفعل لم ينفذ ولم يصح ، وجه قول زفر أن القاضي إنما يسمع هذه البينة لا لإثبات النكاح على الغائب ليقال : إن الغيبة تمنع من ذلك بل ليتوصل بها إلى الفرض ، ويجوز سماع البينة في حق حكم دون حكم كشهادة رجل وامرأتين على السرقة وأنها تقبل في حق المال ولا تقبل في حق القطع كذا ههنا تقبل هذه البينة في حق صحة الفرض لا في إثبات النكاح فإذا حضر وأنكر استعاد منها البينة فإن أعادت ; نفذ الفرض وصحت الاستدانة عليه وإلا فلا والصحيح قول أبي يوسف ; لأن البينة على أصل أصحابنا لا تسمع إلا على خصم حاضر ولا خصم فلا تسمع ، وما ذكره زفر أن بينتها تقبل في حق صحة الفرض غير سديد ; لأن صحة الفرض مبنية على ثبوت الزوجية فإذا لم يكن إلى إثبات الزوجية بالبينة سبيل لعدم الخصم ; لم يصح ، فلا سبيل إلى القبول في حق صحة الفرض ضرورة هذا إذا كان الزوج غائبا ولم يكن له مال حاضر فأما إذا كان له مال حاضر فإن كان المال في يدها وهو من جنس النفقة فلها أن تنفق على نفسها منه بغير أمر القاضي لحديث أبي سفيان فلو طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة في ذلك المال وعلم القاضي بالزوجية وبالمال فرض لها النفقة ; لأن لها أن تأخذه فتنفق على نفسها من غير فرض القاضي فلم يكن الفرض من القاضي في هذه الصورة قضاء بل كان إعانة لها على استيفاء حقها وإن كان في يد مودعه أو مضاربه أو كان له دين على غيره فإن كان صاحب اليد مقرا الوديعة والزوجية أو كان من عليه الدين مقرا بالدين والزوجية أو كان القاضي عالما بذلك فرض لها في ذلك المال نفقتها في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر : لا يفرض ، وجه قوله إن هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر ; إذ المودع ليس بخصم على الزوج وكذا المديون فلا يجوز ولنا أن صاحب اليد وهو المودع إذا أقر الوديعة والزوجية أو أقر المديون بالدين والزوجية فقد أقر أن لها حق الأخذ والاستيفاء ; لأن للزوجة أن تمد يدها إلى مال زوجها فتأخذ كفايتها منه لحديث امرأة أبي سفيان فلم يكن القاضي فرض لها النفقة في ذلك المال قضاء بل كان إعانة لها على أخذ حقها وله على إحياء زوجته ; فكان له ذلك وإن جحد أحد الأمرين ولا علم للقاضي به ولم يسمع البينة ولم يفرض ; لأن سماع البينة والفرض يكون قضاء على الغائب من غير خصم حاضر ; لأنه إن أنكر الزوجية لا يمكنها إقامة البينة على الزوجية ; لأن المودع ليس بخصم عنه في الزوجية وإن أنكر الوديعة أو الدين لا يمكنها إقامة البينة على الوديعة والدين ; لأنها ليست بخصم عن زوجها في إثبات حقوقه فكان سماع البينة على ذلك قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وذلك غير جائز عندنا هذا إذا كانت الوديعة والدين من جنس النفقة بأن كانت دراهم أو دنانير أو طعاما أو ثيابا من جنس كسوتها فأما إذا كان من جنس آخر فليس لها أن تتناول شيئا من ذلك وإن طلبت من القاضي فرض النفقة فيه فإن كان عقارا لا يفرض القاضي النفقة بالإجماع ; لأنه لا يمكن إيجاب النفقة فيه إلا بالبيع ولا يباع العقار على الغائب في النفقة بالاتفاق وإن كان منقولا من العروض فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي الخلاف فيه فقال القاضي : لا يبيع العروض عليه في قول أبي حنيفة وعندهما : له أن يبيعها عليه وهي مسألة الحجر على الحر العاقل البالغ ، وذكر القدوري المسألة على الاتفاق فقال القاضي : إنما يبيع على أصلهما على الحاضر الممتنع عن قضاء الدين لكونه ظالما في الامتناع دفعا لظلمه والغائب لا يعلم امتناعه فلا يعلم ظلمه فلا يباع عليه وإذا فرض القاضي لها النفقة في شيء من ذلك وأخذ منها كفيلا فهو حسن لاحتمال أن يحضر الزوج فيقيم البينة على طلاقها أو على إيفاء حقها في النفقة عاجلا فينبغي أن يستوثق فيما يعطيها بالكفالة ثم إذا رجع الزوج ينظر إن كان لم يعجل لها النفقة ; فقد مضى الأمر ، وإن كان قد عجل وأقام البينة على ذلك أو لم يقم له بينة واستحلفها فنكلت فهو بالخيار إن شاء أخذ من المرأة وإن شاء أخذ من الكفيل [ ص: 28 ] ولو أقرت المرأة أنها كانت قد تعجلت النفقة من الزوج فإن الزوج يأخذ منها ولا يأخذ من الكفيل ; لأن الإقرار حجة قاصرة فيظهر في حقها لا في حق الكفيل ، ولو طلبت الزوجة من الحاكم أن يدفع مهرها ونفقتها من الوديعة والدين ; لم يفعل ذلك وإن كان عالما بهما ; لأن القضاء بالنفقة في الوديعة والدين كان نظرا للغائب لما في الإنفاق من إحياء زوجته بدفع الهلاك عنها والظاهر أنه يرضى بذلك وهذا المعنى لا يوجد في المهر والدين ، ولو كان الحاكم فرض لها على الزوج النفقة قبل غيبته فطلبت من الحاكم أن يقضي لها بنفقة ماضية في الوديعة والدين قضى لها بذلك ; لأنه لما جاز القضاء بالنفقة في الوديعة والدين يستوي فيه الماضي والمستقبل ; لأن طريق الجواز لا يختلف وكذلك إذا كان للغائب مال حاضر وهو من جنس النفقة وله أولاد صغار فقراء وكبار ذكور زمنى فقراء أو إناث فقيرات ووالدان فقيران فإن كان المال في أيديهم فلهم أن ينفقوا منه على أنفسهم وإن طلبوا من القاضي فرض النفقة منه فرض ; لأن الفرض منه يكون إعانة لا قضاء وإن كان المال في يد مودعه أو كان دينا على إنسان فرض القاضي نفقتهم منه وكذلك إذا أقر المودع والمديون الوديعة والدين والنسب أو علم القاضي بذلك ; لأن نفقة الوالدين والمولودين تجب بطريق الإحياء ; لأن الإنسان يرضى بإحياء كله وجزئه من ماله ولهذا كان لأحدهما أن يمد يده إلى مال الآخر عند الحاجة ويأخذه من غير قضاء ولا رضا وقد تحققت الحاجة ههنا فكان للقاضي أن يفرض ذلك من طريق الإعانة لصاحب الحق ، وإن جحدهما أو أحدهما ولا علم للقاضي به لم يفرض لما ذكرنا في الزوجة ولا يفرض لغيرهما ولا من ذوي الرحم المحرم نفقتهم في مال الغائب ; لأن نفقتهم من طريق الصلة المحضة ; إذ ليس لهم حق في مال الغائب أصلا .

ألا ترى أنه ليس لأحد أن يمد يده إلى مال صاحبه فيأخذه وإن مست حاجته من غير قضاء القاضي فكان الفرض قضاء على الغائب من غير خصم حاضر ; فلا يجوز وإن لم يكن المال من جنس النفقة ; فليس لهم أن يبيعوا بأنفسهم وليس للقاضي أن يبيع على الغائب في النفقة على هؤلاء العقار بالإجماع والحكم في العروض ما بينا من الاتفاق أو الاختلاف وفي بيع الأب العروض خلاف نذكره في نفقة المحارم .

وأما يسار الزوج فليس بشرط لوجوب الفرض حتى لو كان معسرا وطلبت المرأة الفرض من القاضي فرض عليه إذا كان حاضرا وتستدين عليه فتنفق على نفسها ; لأن الإعسار لا يمنع وجوب هذه النفقة فلا يمنع الفرض ، وإذا طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة على زوجها الحاضر فإن كان قبل النقلة وهي بحيث لا تمتنع من التسليم لو طالبها بالتسليم أو كان امتناعها بحق - فرض القاضي لها إعانة لها على الوصول إلى حقها الواجب لوجود سبب الوجوب وشرطه وإن كان بعدما حولها إلى منزله فزعمت أنه ليس ينفق عليها أو شكت التضييق في النفقة ; فلا ينبغي له أن يعجل بالفرض ولكنه يأمره بالنفقة والتوسيع فيها ; لأن ذلك من باب الإمساك بالمعروف وإنه مأمور به ويتأتى في الفرض ويتولى الزوج الإنفاق بنفسه قبل الفرض إلى أن يظهر ظلمه بالترك والتضييق في النفقة فحينئذ يفرض عليه نفقة كل شهر ويأمره أن يدفع النفقة إليها لتنفق هي بنفسها على نفسها ، ولو قالت : أيها القاضي إنه يريد أن يغيب فخذ لي منه كفيلا بالنفقة لا يجبره القاضي على إعطاء الكفيل ; لأن نفقة المستقبل غير واجبة للحال فلا يجبر على الكفيل بما ليس بواجب يحققه أنه لا يجبر على التكفيل بدين واجب فكيف بغير الواجب ، وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال : لا أوجب عليه كفيلا بنفقة لم تجب لها بعد وقال أبو يوسف أستحسن أن آخذ لها منه كفيلا بنفقة أشهر ; لأنا نعلم بالعادة أن هذا القدر يجب في السفر ; لأن السفر يمتد إلى شهر غالبا والجواب أن نفقة الشهر لا تجب قبل الشهر فكان تكفيلا بما ليس بواجب فلا يجبر عليه ولكن لو أعطاها كفيلا جاز ; لأن الكفالة بما ينوب على فلان جائزة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث