الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة

جزء التالي صفحة
السابق

وأما في إجارة الدواب فلا بد فيها من بيان أحد الشيئين : المدة أو المكان فإن لم يبين أحدهما فسدت ; لأن ترك البيان يفضي إلى المنازعة ، وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر دابة يشيع عليها رجلا أو يتلقاه إن الإجارة فاسدة ، إلا أن يسمي موضعا معلوما لما قلنا ، وكذا إذا استأجرها إلى الجبانة ; لأن الجبانة تختلف أولها وأوسطها وآخرها ; لأنها موضع واسع تتباعد أطرافها وجوانبها ، بخلاف ما إذا استأجر دابة إلى الكوفة أنه يصح العقد وإن كان أطرافها وجوانبها متباعدة ; لأن المكان هناك معلوم بالعادة وهو منزله الذي بالكوفة ; لأن الإنسان إذا استأجر إلى بلده فإنما يستأجر إلى بيته ، ألا ترى أنه ما جرت العادة بين المكارين بطرح الحمولات على أول جزء من البلد ؟ فصار منزله بالكوفة مذكورا دلالة والمذكور دلالة ، كالمذكور نصا ، ولا عادة في الجبانة على موضع بعينه حتى يحمل العقد عليه ، حتى لو كان في الجبانة موضع لا يركب إلا إليه يصح العقد وينصرف إليه كما يصح إلى الكوفة ، ولو تكاراها بدرهم يذهب عليها إلى حاجة له لم يجز ما لم يبين المكان ; لأن الحوائج تختلف ، منها ما ينقضي بالركوب إلى موضع .

ومنها ما لا ينقضي إلا بقطع مسافة بعيدة فكانت المنافع مجهولة فتفسد الإجارة ، وذكر في الأصل إذا تكارى دابة من الفرات إلى جعفي وجعفي قبيلتان بالكوفة ولم يسم إحداهما ، أو إلى الكناسة وفيها كناستان ولم يسم إحداهما ، أو إلى بجيلة وبها بجيلتان الظاهرة والباطنة ولم يسم إحداهما ، إن الإجارة فاسدة ; لأن المكان مجهول ولا بد فيها من بيان ما يستأجر له في الحمل والركوب ; لأنهما منفعتان مختلفتان وبعد بيان ذلك لا بد من بيان ما يحمل عليها ومن يركبها ; لأن الحمل يتفاوت بتفاوت المحمول والناس يتفاوتون في الركوب فترك البيان يفضي إلى المنازعة ، وذكر في الأصل إذا استأجر بعيرين من الكوفة إلى مكة فحمل على أحدهما محملا فيه رجلان وما يصلح لهما من الوطاء والدثر وقد رأى الرجلين ولم ير الوطاء والدثر ، وأحدهما زاملة يحمل عليها كذا كذا محتوما من السويق ، والدقيق وما يصلحهما من الزيت والخل والمعاليق ولم يبين ذلك ، واشترط عليه ما يكتفي به من الماء ولم يبين ، ذلك فهذا كله فاسد بالقياس ، ولكن قال أبو حنيفة : أستحسن ذلك ، وجه القياس أنه شرط عملا مجهولا ; لأن قدر الكسوة والدثار يختلف باختلاف الناس فصارت المنافع مجهولة ، وجه الاستحسان إن الناس يفعلون ذلك من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فكان ذلك إسقاطا منهم اعتبار هذه الجهالة فلا يفضي إلى المنازعة ، وإن اشترط المستأجر أن يحمل عليه من هدايا مكة من صالح ما يحمل الناس فهو جائز ; لأن قدر الهدايا يعلم بالعادة وهذا مما يفعله الناس في سائر الأعصار من غير نكير ، وإن بين وزن المعاليق ووصف ذلك ، والهدايا أحب إلينا ; لأنه يجوز قياسا واستحسانا وذلك يكون أبعد من الخصومة لذلك قال : أحب إلينا ، ولكل محل قربتين من ماء وإداوتين من أعظم ما يكون لأن هذا كله يصير معلوما بالعادة وذكره أفضل ، وكذا الخيمة والقبة وذكره أفضل لما قلنا ، وفي استئجار العبد للخدمة ، والثوب للبس ، والقدر للطبخ لا بد من بيان المدة لما قلنا ، والقياس أن يشترط بيان نوع الخدمة في استئجار العبد للخدمة ; لأن الخدمة تختلف فكانت مجهولة ، وفي الاستحسان لا يشترط وينصرف إلى المتعارف وليس له أن [ ص: 184 ] يسافر به فلا بد من بيان ما يلبس وما يطبخ في القدر ; لأن اللبس يختلف باختلاف اللابس ، والقدر يختلف باختلاف المطبوخ فلا بد من البيان ليصير المعقود عليه معلوما فإن اختصما حين وقعت الإجارة في هذه الأشياء قبل أن يزرع أو يبني أو يغرس أو قبل أن يحمل على الدابة أو يركبها أو قبل أن يلبس الثوب أو يطبخ في القدر فإن القاضي يفسخ الإجارة ; لأن العقد وقع فاسدا ، ورفع الفساد واجب حقا للشرع ، فإن زرع الأرض وحمل على الدابة ولبس الثوب ، وطبخ في القدر فمضت المدة فله ما سمي استحسانا ، والقياس أن يكون له أجر المثل ; لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد ، واستيفاء المنفعة بعقد فاسد يوجب أجر المثل لا المسمى ، وجه الاستحسان أن المفسد جهالة المعقود عليه ، والمعقود عليه قد تعين بالزراعة ، والحمل واللبس والطبخ فزالت الجهالة ، فقد استوفي المعقود عليه في عقد صحيح فيجب كمال المسمى كما لو كان متعينا في الابتداء ، ولو فسخ القاضي الإجارة ثم زرع أو حمل أو لبس أو غير ذلك لا يجب شيء ; لأن القاضي لما نقض العقد فقد بطل العقد فصار مستعملا مال الغير من غير عقد فصار غاصبا ، والمنافع على أصلنا لا تتقوم إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد ، ولم يوجد ، ومنها : بيان العمل في استئجار الصناع والعمال ; لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد ، العقد حتى لو استأجر عاملا ولم يسم له العمل من القصارة والخياطة والرعي ونحو ذلك لم يجز العقد ، وكذا بيان المعمول فيه في الأجير المشترك ، إما بالإشارة والتعيين ، أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة في ثوب القصارة والخياطة وبيان الجنس والقدر في إجارة الراعي من الخيل أو الإبل أو البقر أو الغنم وعددها ; لأن العمل يختلف باختلاف المعمول ، وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر حفارا ليحفر له بئرا أنه لا بد من بيان مكان الحفر وعمق البئر وعرضها ; لأن عمل الحفر يختلف باختلاف عمق المحفور وعرضه ومكان الحفر من الصلابة والرخاوة فيحتاج إلى البيان ليصير المعقود عليه معلوما ، وهل يشترط فيه بيان المدة ؟ أما في استئجار الراعي المشترك فيشترط ; لأن قدر المعقود عليه لا يصير معلوما بدونه .

وأما في استئجار القصار المشترك والخياط المشترك فلا يشترط حتى لو دفع إلى خياط أو قصار أثوابا معلومة ليخيطها أو ليقصرها جاز من غير بيان المدة ; لأن المعقود عليه يصير معلوما بدونه .

وأما في الأجير الخاص فلا يشترط بيان جنس المعمول فيه ونوعه وقدره وصفته ، وإنما يشترط بيان المدة فقط وبيان المدة في استئجار الظئر شرط جوازه بمنزلة استئجار العبد للخدمة ; لأن المعقود عليه هو الخدمة ، فما جاز فيه جاز في الظئر وما لم يجز فيه لم يجز فيها ، إلا أن أبا حنيفة استحسن في الظئر أن تستأجر بطعامها وكسوتها لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولو استأجر إنسانا ليبيع له ويشتري ولم يبين المدة لم يجز لجهالة قدر منفعة البيع والشراء ، ولو بين المدة بأن استأجره شهرا ليبيع له ويشتري جاز ; لأن قدر المنفعة صار معلوما ببيان المدة ، وما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم قال { : كنا نبيع في أسواق المدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمانا بأحسن الأسماء فقال صلى الله عليه وسلم : يا معشر التجار إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب فشوبوه بالصدقة } والسمسار هو الذي يبيع أو يشتري لغيره بالأجرة فهو محمول على ما إذا كانت المدة معلومة ، وكذا إذا قال : بع لي هذا الثوب ولك درهم وبين المدة وإن لم يبين فباع واشترى فله أجر مثل عمله ; لأنه استوفى منفعته بعقد فاسد ، قال الفضل بن غانم : سمعت أبا يوسف قال : لا بأس أن يستأجر القاضي رجلا مشاهرة على أن يضرب الحدود بين يديه ، وإن كان غير مشاهرة فالإجارة فاسدة ; لأنها إذا كانت مشاهرة كان المعقود عليه معلوما ببيان المدة ويستحق الأجرة فيها بتسليم النفس عمل أو لم يعمل ، وإذا لم يذكر الوقت بقي المعقود عليه مجهولا ; لأن قدر الحدود التي سماها غير معلوم وكذا محل الإقامة مجهول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث