الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر حصر صلاح الدين الموصل

لما ملك صلاح الدين نصيبين ، جمع أمراءه وأرباب المشورة عنده واستشارهم بأي البلاد يبدأ ، وأيها يقصد ، بالموصل أم بسنجار أم بجزيرة ابن عمر ، فاختلفت آراؤهم ، فقال له مظفر الدين كوكبري بن زين الدين : لا ينبغي أن يبدأ بغير الموصل ، فإنها في أيدينا لا مانع لها ، فإن عز الدين ومجاهد الدين متى سمعا بمسيرنا إليها [ ص: 464 ] تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع الجبلية .

ووافقه ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه ، وكان قد بذل لصلاح الدين مالا كثيرا ليقطعه الموصل إذا ملكها . وقد أجابه صلاح الدين إلى ذلك ، فأشار بهذا الرأي لهواه ، فسار صلاح الدين إلى الموصل ، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين قد جمعا بالموصل العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل ، وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأبصار ، وبذلا الأموال الكثيرة ، وأخرج مجاهد الدين من ماله كثيرا ، واصطلى الأمور بنفسه ، فأحسن تدبيرها ، وشحنوا ما بقي بأيديهم من البلاد ، كالجزيرة وسنجار وإربل وغيرها من البلاد ، بالرجال والسلاح والأموال .

وسار صلاح الدين حتى قارب الموصل وترك عسكره ، وانفرد هو ومظفر الدين وابن عمه ناصر الدين شيركوه ، ومعهما نفر من أعيان دولته ، وقربوا من البلد ، فلما قربوا رآه وحققه ، فرأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه ، فإنه رأى بلدا عظيما كبيرا ، ورأى السور والفصيل قد ملئا من الرجال ، وليس فيه شرافة إلا وعليها رجل يقاتل سوى من عليه من عامة البلد المتفرجين ، فلما رأى ذلك علم أنه لا يقدر على أخذه ، وأنه يعود خائبا ، فقال لناصر الدين ابن عمه : إذا رجعنا إلى المعسكر فاحمل ما بذلت من المال فنحن معك على القول . فقال ناصر الدين : قد رجعت عما بذلت من المال ، فإن هذا البلد لا يرام . فقال له ولمظفر الدين : غررتماني وأطمعتماني في غير مطمع ، ولو قصدت غيره قبله لكان أسهل أخذا بالاسم والهيبة التي حصلت لنا ومتى نازلناه ، وعدنا منه ، ينكسر ناموسنا ويفل حدنا وشوكتنا .

ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد ، وكان نزوله عليه في رجب ، فنازله وضايقه ، ونزل محاذي باب كندة ، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر ، وأنزل أخاه تاج الملوك عند الباب العمادي ، وأنشب القتال ، فلم يظفر ، وخرج إليه يوما بعض العامة فنالوا منه ، ولم يمكن عز الدين ومجاهد الدين أحدا من العسكر [ أن ] يخرجوا لقتال بل ألزموا الأسوار ، ثم إن تقي الدين أشار على عمه صلاح الدين بنصب منجنيق ، فقال : مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق ، ومتى نصبناه أخذوه ، ولو خربنا برجا وبدنة من يقدر على الدخول للبلد وفيه هذا الخلق الكثير ؟ فألح تقي الدين وقال : نجربهم به ، فنصب منجنيقا ، فنصب عليه من البلد تسعة مجانيق ، وخرج جماعة من العامة فأخذوه وجرى عنده قتال كثير ، فأخذ بعض العامة لالكة من رجليه ، فيها المسامير الكثيرة ، ورمى بها [ ص: 465 ] أميرا يقال له جاولي الأسدي ، مقدم الأسدية وكبيرهم ، فأصاب صدره ، فوجد لذلك ألما شديدا ، وأخذ اللالكة وعاد عن القتال إلى صلاح الدين وقال : قد قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها ، وألقى اللالكة ، وحلف أنه لا يعود يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بهذه .

ثم إن صلاح الدين رحل من قرب البلد ، ونزل متأخرا ، خوفا من البيات ، فإنه لقربه كان لا يأمن ذلك ، وكان سببه أيضا أن مجاهد الدين أخرج في بعض الليالي جماعة من باب السر الذي للقلعة ، ومعهم المشاعل ، فكان أحدهم يخرج من الباب وينزل إلى دجلة ، مما يلي عين الكبريت ، ويطفئ المشعل ، فرأى العسكر الناس يخرجون ، فلم يشكوا في الكبسة ، فحملهم ذلك على الرحيل والتأخر ليتعذر البيات على أهل الموصل .

وكان صدر الدين شيخ الشيوخ - رحمه الله - قد وصل إليه ، قبل نزوله على الموصل ، ومعه بشير الخادم ، وهو من خواص الخليفة الناصر لدين الله ، في الصلح ، فأقاما معه على الموصل ، وترددت الرسل إلى عز الدين ومجاهد الدين في الصلح ، فطلب عز الدين إعادة البلاد التي أخذت منهم ، فأجاب صلاح الدين إلى ذلك بشرط أن تسلم إليه حلب ، فامتنع عز الدين ومجاهد الدين ، ثم نزل عن ذلك ، وأجاب إلى تسليم البلاد بشرط أن يتركوا إنجاد صاحب حلب عليه ، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضا ، وقال عز الدين : هو أخي وله العهود والمواثيق ولا يسعني نكثها .

ووصلت أيضا رسل قزل أرسلان صاحب أذربيجان ، ورسل شاه أرمن صاحب خلاط ، في المعنى ، فلم ينتظم أمر ولا تم صلح ، فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضا ، ولا يحصل على غير العناء والتعب ، وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصدونه من عساكره وأصحابه ، سار من الموصل إليها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث