الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأما استدلالكم بحديث عائشة رضي الله عنها : طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان فهو حديث لو استدللنا به عليكم لم تقبلوا ذلك منا ، فإنه [ ص: 556 ] حديث ضعيف معلول ، قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث ، انتهى . ومظاهر بن أسلم هذا ، قال فيه أبو حاتم الرازي : منكر الحديث .

وقال يحيى بن معين : ليس بشيء ، مع أنه لا يعرف ، وضعفه أبو عاصم أيضا . وقال أبو داود : هذا حديث مجهول ، وقال الخطابي : أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث ، وقال البيهقي : لو كان ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من تجهل عدالته ، وقال الدارقطني : الصحيح عن القاسم بخلاف هذا ، ثم روي عن زيد بن أسلم قال : سئل القاسم عن الأمة كم تطلق ؟ قال : طلاقها ثنتان ، وعدتها حيضتان .

قال : فقيل له : هل بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ فقال : لا . وقال البخاري في " تاريخه " : مظاهر بن أسلم ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها يرفعه : طلاق الأمة طلقتان ، وعدتها حيضتان .

قال أبو عاصم : أخبرنا ابن جريج ، عن مظاهر ، ثم لقيت مظاهرا ، فحدثنا به ، وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا ، وقال يحيى بن سليمان : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني أسامة بن زيد بن أسلم ، أنه كان جالسا عند أبيه ، فأتاه رسول الأمير ، فقال : إن الأمير يقول لك : كم عدة الأمة ؟ فقال : عدة الأمة حيضتان ، وطلاق الحر الأمة ثلاث ، وطلاق العبد الحرة تطليقتان ، وعدة الحرة ثلاث حيض ، ثم قال للرسول : أين تذهب ؟ قال : أمرني أن أسأل القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، قال : فأقسم عليك إلا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان ، فذهب ورجع إلى أبي ، فأخبره أنهما قالا كما قال ، وقالا له : قل له : إن هذا ليس في كتاب الله ، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن عمل به المسلمون .

وقال أبو القاسم بن عساكر في " أطرافه " : فدل ذلك على أن الحديث المرفوع غير محفوظ .

وأما استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعا ، طلاق الأمة ثنتان ، وعدتها [ ص: 557 ] حيضتان ، فهو من رواية عطية بن سعد العوفي ، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة . قال الدارقطني : والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه ما رواه سالم ، ونافع من قوله ، وروى الدارقطني أيضا عن سالم ونافع ، أن ابن عمر كان يقول : طلاق العبد الحرة تطليقتان ، وعدتها ثلاثة قروء ، وطلاق الحر الأمة تطليقتان ، وعدتها عدة الأمة حيضتان .

قالوا : والثابت بلا شك ، عن ابن عمر رضي الله عنه ، أن الأقراء : الأطهار .

قال الشافعي رحمه الله : أخبرنا مالك رحمه الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : إذا طلق الرجل امرأته ، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه ، ولا ترثه ولا يرثها .

قالوا : فهذا الحديث مداره على ابن عمر ، وعائشة ، ومذهبهما بلا شك أن الأقراء : الأطهار ، فكيف يكون عندهما عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك ، ولا يذهبان إليه ؟ قالوا : وهذا بعينه هو الجواب عن حديث عائشة الآخر : أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض .

قالوا : وقد روي هذا الحديث بثلاثة ألفاظ : أمرت أن تعتد ، وأمرت أن تعتد عدة الحرة ، وأمرت أن تعتد ثلاث حيض ، فلعل رواية من روى " ثلاث حيض " محمولة على المعنى ، ومن العجب أن يكون عند عائشة رضي الله عنها هذا وهي تقول : الأقراء : الأطهار ، وأعجب منه أن يكون هذا الحديث بهذا السند المشهور الذي كلهم أئمة ، ولا يخرجه أصحاب الصحيح ، ولا المساند ، ولا من اعتنى بأحاديث الأحكام وجمعها ، ولا الأئمة الأربعة ، وكيف يصبر عن إخراج هذا الحديث من هو مضطر إليه ، ولا سيما بهذا السند المعروف الذي هو كالشمس شهرة ، ولا شك أن بريرة أمرت أن تعتد ، وأما إنها أمرت بثلاث حيض ، فهذا لو صح لم نعده إلى غيره ، ولبادرنا إليه . [ ص: 558 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث