الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فنقول : أما استدلالكم بقوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) [ الطلاق : 1 ] ، فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم ، فإن المراد طلاقها قبل العدة ضرورة ، إذ لا يمكن حمل الآية على الطلاق في العدة ، فإن هذا - مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى - في - فاسد معنى ، إذ لا يمكن إيقاع الطلاق في العدة ، فإنه سببها ، والسبب يتقدم الحكم ، وإذا تقرر ذلك فمن قال : الأقراء الحيض ، فقد عمل بالآية ، وطلق قبل العدة .

فإن قلتم : ومن قال إنها الأطهار فالعدة تتعقب الطلاق ، فقد طلق قبل العدة ، قلنا : فبطل احتجاجكم حينئذ ، وصح أن المراد الطلاق قبل العدة لا فيها ، وكلا الأمرين يصح أن يراد بالآية ، لكن إرادة الحيض أرجح ، وبيانه أن العدة فعلة مما تعد يعني معدودة ؛ لأنها تعد وتحصى ، كقوله : ( وأحصوا العدة ) [ الطلاق : 1 ] ، والطهر الذي قبل الحيضة مما يعد ويحصى ، فهو من العدة ، وليس الكلام فيه ، وإنما الكلام في أمر آخر ، وهو دخوله في مسمى القروء الثلاثة المذكورة في الآية أم لا ؟ فلو كان النص : فطلقوهن لقروئهن ، لكان فيه تعلق ، فهنا أمران .

قوله تعالى : ( يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) [ البقرة : 228 ] ، والثاني : قوله : ( فطلقوهن لعدتهن ) [ الطلاق : 1 ] ، ولا ريب أن القائل : افعل كذا لثلاث بقين من الشهر ، إنما يكون المأمور ممتثلا إذا فعله قبل مجيء الثلاث ، وكذلك إذا قال : فعلته لثلاث مضين من الشهر ، إنما يصدق إذا فعله بعد مضي الثلاث ، وهو بخلاف حرف الظرف الذي هو " في " فإنه إذا قال : فعلته في ثلاث بقين ، كان الفعل واقعا في نفس الثلاث ، وهاهنا نكتة حسنة ، وهي أنهم يقولون : فعلته لثلاث ليال خلون أو بقين من الشهر ، وفعلته في الثاني أو الثالث من الشهر ، أو في ثانيه أو ثالثه ، فمتى أرادوا مضي الزمان أو استقباله ، أتوا باللام ، ومتى أرادوا وقوع الفعل فيه ، أتوا بفي ، وسر ذلك أنهم إذا أرادوا مضي زمن الفعل أو استقباله [ ص: 560 ] أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى ، أو بما يستقبل ، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له ، وهي أداة " في " ، وهذا خير من قول كثير من النحاة : إن اللام تكون بمعنى قبل في قولهم : كتبته لثلاث بقين ، وقوله : ( فطلقوهن لعدتهن ) [ الطلاق : 1 ] . وبمعنى بعد ، كقولهم : لثلاث خلون . وبمعنى في : كقوله تعالى : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) [ الأنبياء : 47 ] ، وقوله : ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ) [ آل عمران : 25 ] ، والتحقيق أن اللام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور ، كأنهم جعلوا الفعل للزمان المذكور اتساعا لاختصاصه به ، فكأنه له فتأمله .

وفرق آخر : وهو أنك إذا أتيت باللام ، لم يكن الزمان المذكور بعده إلا ماضيا أو منتظرا ، ومتى أتيت بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارنا للفعل ، وإذا تقرر هذا من قواعد العربية ، فقوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) [ الطلاق : 1 ] ، معناه : لاستقبال عدتهن لا فيها ، وإذا كانت العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق ، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض ، فإن الطاهر لا تستقبل الطهر إذ هي فيه ، وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها ، هذا المعروف لغة وعقلا وعرفا ، فإنه لا يقال لمن هو في عافية : هو مستقبل العافية ، ولا لمن هو في أمن : هو مستقبل الأمن ، ولا لمن هو في قبض مغله وإحرازه : هو مستقبل المغل ، وإنما المعهود لغة وعرفا أن يستقبل الشيء من هو على حال ضده ، وهذا أظهر من أن نكثر شواهده .

فإن قيل : فيلزم من هذا أن يكون من طلق في الحيض مطلقا للعدة عند من يقول : الأقراء الأطهار ؛ لأنها تستقبل طهرها بعد حالها التي هي فيها ، قلنا : نعم يلزمهم ذلك ، فإنه لو كان أول العدة التي تطلق لها المرأة هو الطهر لكان إذا طلقها في أثناء الحيض مطلقا للعدة ؛ لأنها تستقبل الطهر بعد ذلك الطلاق .

فإن قيل : " اللام " بمعنى " في " ، والمعنى : فطلقوهن في عدتهن ، وهذا إنما [ ص: 561 ] يمكن إذا طلقها في الطهر ، بخلاف ما إذا طلقها في الحيض . قيل : الجواب من وجهين .

أحدهما : أن الأصل عدم الاشتراك في الحروف ، والأصل إفراد كل حرف بمعناه ، فدعوى خلاف ذلك مردودة بالأصل .

الثاني : أنه يلزم منه أن يكون بعض العدة ظرفا لزمن الطلاق ، فيكون الطلاق واقعا في نفس العدة ضرورة صحة الظرفية ، كما إذا قلت : فعلته في يوم الخميس ، بل الغالب في الاستعمال من هذا أن يكون بعض الظرف سابقا على الفعل ، ولا ريب في امتناع هذا ، فإن العدة تتعقب الطلاق ولا تقارنه ، ولا تتقدم عليه .

قالوا : ولو سلمنا أن " اللام " بمعنى " في " ، وساعد على ذلك قراءة ابن عمر رضي الله عنه وغيره : ( فطلقوهن في قبل عدتهن ) ، فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون القرء : هو الطهر ، فإن القرء حينئذ يكون هو الحيض ، وهو المعدود والمحسوب ، وما قبله من الطهر يدخل في حكمه تبعا وضمنا لوجهين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث