الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل رد المفسرين بالأطهار على أدلة المفسرين بالحيض

جزء التالي صفحة
السابق

الثاني : أن الحيض إنما يتم باجتماع الدم في الرحم قبله ، فكان الطهر مقدمة وسببا لوجود الحيض ، فإذا علق الحكم بالحيض ، فمن لوازمه ما لا يوجد الحيض إلا بوجوده ، وبهذا يظهر أن هذا أبلغ من الأيام والليالي ، فإن الليل والنهار متلازمان ، وليس أحدهما سببا لوجود الآخر ، وهاهنا الطهر سبب لاجتماع الدم في الرحم ، فقوله سبحانه وتعالى : ( لعدتهن ) أي لاستقبال العدة التي [ ص: 562 ] تتربصها ، وهي تتربص ثلاث حيض بالأطهار التي قبلها . فإذا طلقت في أثناء الطهر ، فقد طلقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدة المحسوبة ، وتلك العدة هي الحيض بما قبلها من الأطهار ، بخلاف ما لو طلقت في أثناء حيضة ، فإنها لم تطلق لعدة تحسبها ؛ لأن بقية ذلك الحيض ليس هو العدة التي تعتد بها المرأة أصلا ولا تبعا لأصل ، وإنما تسمى عدة ؛ لأنها تحبس فيها عن الأزواج ، إذا عرف هذا ، فقوله : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) [ الأنبياء : 47 ] ، يجوز أن تكون اللام لام التعليل ، أي : لأجل يوم القيامة .

وقد قيل : إن القسط منصوب على أنه مفعول له ، أي نضعها لأجل القسط ، وقد استوفى شروط نصبه ، وأما قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) [ الإسراء : 78 ] ، فليست اللام بمعنى " في " قطعا ، بل قيل : إنها لام التعليل ، أي : لأجل دلوك الشمس ، وقيل : إنها بمعنى بعد ، فإنه ليس المراد إقامتها وقت الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب ، وإنما يؤمر بالصلاة بعده ، ويستحيل حمل آية العدة على ذلك ، وهكذا يستحيل حمل آية العدة عليه ، إذ يصير المعنى : فطلقوهن بعد عدتهن . فلم يبق إلا أن يكون المعنى : فطلقوهن لاستقبال عدتهن ، ومعلوم أنها إذا طلقت طاهرا استقبلت العدة بالحيض . ولو كانت الأقراء الأطهار ، لكانت السنة أن تطلق حائضا لتستقبل العدة بالأطهار ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلق طاهرا لتستقبل عدتها بعد الطلاق .

فإن قيل : فإذا جعلنا الأقراء : الأطهار ، استقبلت عدتها بعد الطلاق بلا فصل ، ومن جعلها الحيض لم تستقبلها على قوله حتى ينقضي الطهر .

قيل : كلام الرب تبارك وتعالى لا بد أن يحمل على فائدة مستقلة ، وحمل الآية على معنى : فطلقوهن طلاقا تكون العدة بعده لا فائدة فيه ، وهذا بخلاف ما إذا كان المعنى : فطلقوهن طلاقا يستقبلن فيه العدة لا يستقبلن فيه طهرا لا تعتد به ، فإنها إذا طلقت حائضا استقبلت طهرا لا تعتد به ، فلم تطلق لاستقبال العدة ، ويوضحه قراءة من قرأ : فطلقوهن في قبل عدتهن . وقبل العدة : هو الوقت الذي [ ص: 563 ] يكون بين يدي العدة تستقبل به ، كقبل الحائض ، يوضحه أنه لو أريد ما ذكروه ، لقيل : في أول عدتهن ، فالفرق بين بين قبل الشيء وأوله .

وأما قولكم : لو كانت القروء هي الحيض ، لكان قد طلقها قبل العدة . قلنا : أجل ، وهذا هو الواجب عقلا وشرعا ، فإن العدة لا تفارق الطلاق ولا تسبقه ، بل يجب تأخرها عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث