الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قولكم : إن عائشة رضي الله عنها قالت : القروء : الأطهار ، والنساء أعلم بهذا من الرجال .

فالجواب أن يقال : من جعل النساء أعلم بمراد الله من كتابه ، وأفهم لمعناه من أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي الدرداء رضي الله عنهم ، وأكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فنزول ذلك في شأنهن لا يدل على أنهن أعلم به من الرجال ، وإلا كانت كل آية نزلت في النساء تكون النساء أعلم بها من الرجال ، ويجب على الرجال تقليدهن في معناها وحكمها ، فيكن أعلم من [ ص: 565 ] الرجال بآية الرضاع ، وآية الحيض ، وتحريم وطء الحائض ، وآية عدة المتوفى عنها ، وآية الحمل والفصال ومدتهما ، وآية تحريم إبداء الزينة إلا لمن ذكر فيها ، وغير ذلك من الآيات التي تتعلق بهن ، وفي شأنهن نزلت ، ويجب على الرجال تقليدهن في حكم هذه الآيات ومعناها ، وهذا لا سبيل إليه البتة . وكيف ومدار العلم بالوحي على الفهم والمعرفة ، ووفور العقل والرجال أحق بهذا من النساء ، وأوفر نصيبا منه ، بل لا يكاد يختلف الرجال والنساء في مسألة إلا والصواب في جانب الرجال ، وكيف يقال : إذا اختلفت عائشة ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود في مسألة : إن الأخذ بقول عائشة رضي الله عنها أولى ، وهل الأولى إلا قول فيه خليفتان راشدان ؟ وإن كان الصديق معهما كما حكي عنه ، فذلك القول مما لا يعدوه [ ص: 566 ] الصواب البتة ، فإن النقل عن عمر ، وعلي ثابت ، وأما عن الصديق ففيه غرابة ، ويكفينا قول جماعة من الصحابة فيهم مثل : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وأبي موسى ، فكيف نقدم قول أم المؤمنين وفهمها على أمثال هؤلاء ؟

ثم يقال : فهذه عائشة رضي الله عنها ترى رضاع الكبير ينشر الحرمة ، ويثبت المحرمية ، ومعها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وقد خالفها غيرها من الصحابة ، وهي روت حديث التحريم به ، فهلا قلتم : النساء أعلم بهذا من الرجال ، ورجحتم قولها على قول من خالفها ؟

ونقول لأصحاب مالك رحمه الله : وهذه عائشة رضي الله عنها لا ترى التحريم إلا بخمس رضعات ، ومعها جماعة من الصحابة ، وروت فيه حديثين ، فهلا قلتم : النساء أعلم بهذا من الرجال ، وقدمتم قولها على قول من خالفها ؟

فإن قلتم : هذا حكم يتعدى إلى الرجال ، فيستوي النساء معهم فيه ، قيل : ويتعدى حكم العدة مثله إلى الرجال ، فيجب أن يستوي النساء معهم فيه ، وهذا لا خفاء به . ثم يرجح قول الرجال في هذه المسألة ، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لواحد من هذا الحزب ، بأن الله ضرب الحق على لسانه وقلبه . وقد وافق ربه تبارك وتعالى في عدة مواضع قال فيها قولا ، فنزل القرآن بمثل ما قال ، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم فضل إنائه في النوم ، وأوله [ ص: 567 ] بالعلم وشهد له بأنه محدث ملهم ، فإذا لم يكن بد من التقليد ، فتقليده أولى ، وإن كانت الحجة هي التي تفصل بين المتنازعين ، فتحكيمها هو الواجب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث