الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قولكم : لم يجئ في لسان الشارع للحيض قلنا : قد بينا مجيئه في كلامه للحيض ، بل لم يجئ في كلامه للطهر البتة في موضع واحد ، وقد تقدم أن سفيان بن عيينة روى عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة ( تدع الصلاة أيام أقرائها )

قولكم : إن الشافعي قال : ما حدث بهذا سفيان قط ، جوابه أن الشافعي لم يسمع سفيان يحدث به ، فقال بموجب ما سمعه من سفيان ، أو عنه من قوله ( لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ) وقد سمعه من سفيان من لا يستراب بحفظه وصدقه وعدالته . وثبت في السنن من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق ، فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي ، وإذا مر [ ص: 573 ] قرؤك فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء ) رواه أبو داود بإسناد صحيح ، فذكر فيه لفظ القرء أربع مرات ، في كل ذلك يريد به الحيض لا الطهر ، وكذلك إسناد الذي قبله ، وقد صححه جماعة من الحفاظ .

وأما حديث سفيان الذي قال فيه : ( لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ) فلا تعارض بينه وبين اللفظ الذي احتججنا به بوجه ما حتى يطلب ترجيح أحدهما على الآخر ، بل أحد اللفظين يجري من الآخر مجرى التفسير والبيان ، وهذا يدل على أن القرء اسم لتلك الليالي والأيام ، فإنه إن كانا جميعا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر - فظاهر ، وإن كان قد روي بالمعنى فلولا أن معنى أحد اللفظين معنى الآخر لغة وشرعا ، لم يحل للراوي أن يبدل لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقوم مقامه ، ولا يسوغ له أن يبدل اللفظ بما يوافق مذهبه ، ولا يكون مرادفا للفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما والراوي لذلك من لا يدفع عن الإمامة والصدق والورع وهو أيوب السختياني ، وهو أجل من نافع وأعلم .

وقد روى عثمان بن سعد الكاتب ، حدثنا ابن أبي مليكة قال : جاءت خالتي فاطمة بنت أبي حبيش إلى عائشة رضي الله عنها فقالت : إني أخاف أن أقع في النار ، أدع الصلاة السنة والسنتين ، قالت : انتظري حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء فقالت عائشة رضي الله عنها : هذه فاطمة تقول كذا وكذا قال : ( قولي لها فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها ) قال الحاكم : هذا حديث صحيح وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث ، يجمع حديثه ، قال البيهقي : وتكلم فيه غير واحد . وفيه : أنه تابعه الحجاج بن أرطاة [ ص: 574 ] عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها .

وفي " المسند " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : ( إذا أقبلت أيام أقرائك فأمسكي عليك ) الحديث .

وفي " سنن أبي داود " من حديث عدي بن ثابت ، عن أبيه ، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة ( تدع الصلاة أيام أقرائها ، ثم تغتسل وتصلي ) .

وفي " سننه " أيضا : أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق ، فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي ، فإذا مر قرؤك فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء ) وقد تقدم .

قال أبو داود : وروى قتادة ، عن عروة ، عن زينب ، عن أم سلمة رضي الله عنها ( أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدع الصلاة أيام أقرائها )

وتعليل هذه الأحاديث ، بأن هذا من تغيير الرواة رووه بالمعنى لا يلتفت إليه ، ولا يعرج عليه ، فلو كانت من جانب من عللها ، لأعاد ذكرها ، وأبداه وشنع على من خالفها . وأما قولكم : إن الله سبحانه وتعالى جعل اليأس من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر ، فمن أين يلزم أن تكون القروء هي الحيض ؟ قلنا : لأنه جعل الأشهر الثلاثة بدلا عن الأقراء الثلاثة ، وقال : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ) [ الطلاق 4 ] فنقلهن إلى الأشهر عند تعذر مبدلهن وهو الحيض ، [ ص: 575 ] فدل على أن الأشهر بدل عن الحيض الذي يئسن منه ، لا عن الطهر ، وهذا واضح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث