الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وقد قيل : إن تسريحها بإحسان مؤثر فيها حين تنقضي العدة ، ولكن ظاهر القرآن يدل على خلاف ذلك ، فإنه سبحانه جعل التسريح بإحسان عند بلوغ الأجل ، ومعلوم أن هذا الترك ثابت من أول المدة ، فالصواب أن التسريح إرسالها إلى أهلها بعد بلوغ الأجل ورفع يده عنها ، فإنه كان يملك حبسها مدة العدة ، فإذا بلغت أجلها فحينئذ إن أمسكها كان له حبسها وإن لم يمسكها كان عليه أن يسرحها بإحسان ، ويدل على هذا قوله تعالى في المطلقة قبل المسيس ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) [ الأحزاب 49 ] فأمر بالسراح الجميل ولا عدة ، فعلم أن تخلية سبيلها إرسالها كما يقال سرح الماء والناقة إذا مكنها من الذهاب ، وبهذا الإطلاق والسراح يكون قد تم تطليقها وتخليتها ، وقبل ذلك لم يكن الإطلاق تاما ، وقبل ذلك كان له أن يمسكها وأن يسرحها ، وكان مع كونه مطلقا قد جعل أحق بها من غيره مدة التربص ، وجعل التربص ثلاثة قروء لأجله ويؤيد هذا أشياء .

أحدها : أن الشارع جعل عدة المختلعة حيضة كما ثبتت به السنة وأقر به عثمان بن عفان ، وابن عباس ، وابن عمر رضي الله عنهم ، وحكاه أبو جعفر النحاس في " ناسخه ومنسوخه " إجماع الصحابة ، وهو مذهب إسحاق وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه دليلا كما سيأتي تقرير المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى . فلما لم يكن على المختلعة رجعة لم يكن عليها عدة ، بل [ ص: 595 ] استبراء بحيضة لأنها لما افتدت منه وبانت ملكت نفسها فلم يكن أحق بإمساكها فلا معنى لتطويل العدة عليها ، بل المقصود العلم ببراءة رحمها فيكفي مجرد الاستبراء .

والثاني : أن المهاجرة من دار الحرب قد جاءت السنة بأنها إنما تستبرأ بحيضة ، ثم تزوج كما سيأتي .

الثالث أن الله سبحانه لم يشرع لها طلاقا بائنا بعد الدخول إلا الثالثة ، وكل طلاق في القرآن سواها فرجعي ، وهو سبحانه إنما ذكر القروء الثلاثة في هذا الطلاق الذي شرعه لهذه الحكمة . وأما المفتدية فليس افتداؤها طلاقا بل خلعا غير محسوب من الثلاث والمشروع فيه حيضة .

فإن قيل : فهذا ينتقض عليكم بصورتين .

إحداهما : بمن استوفت عدد طلاقها فإنها تعتد ثلاثة قروء ، ولا يتمكن زوجها من رجعتها .

الثانية : بالمخيرة إذا عتقت تحت حر ، أو عبد ، فإن عدتها ثلاثة قروء بالسنة كما في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها : ( أمرت بريرة أن تعتد عدة الحرة ) وفي " سنن ابن ماجه " : ( أمرت أن تعتد ثلاث حيض ، ولا رجعة لزوجها عليها )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث