الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن بالجلد . وأما قوله تعالى في الإماء : ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [ النساء : 25 ] ، فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة من الجلد ، وأما قبل التزويج فأمر بجلدها .

وفي هذا الجلد قولان :

أحدهما : أنه الحد ، ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده ، فإن للسيد إقامته قبله ، وأما بعده ، فلا يقيمه إلا الإمام .

والقول الثاني : أن جلدها قبل الإحصان تعزير لا حد ، ولا يبطل هذا ما رواه مسلم في " صحيحه " : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه : إذا زنت أمة أحدكم ، فليجلدها ولا يعيرها ثلاث مرات ، فإن عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير ، وفي لفظ : فليضربها كتاب الله .

[ ص: 40 ] وفي " صحيحه " أيضا : من حديث علي رضي الله عنه أنه قال : أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد ، من أحصن منهن ، ومن لم يحصن ، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت ، فأمرني أن أجلدها ، فإذا هي حديثة عهد بنفاس ، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أحسنت " .

فإن التعزير يدخل تحته لفظ الحد في لسان الشارع ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى .

وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا في مواضع عديدة لم يثبت نسخها ، ولم تجمع الأمة على خلافها .

وعلى كل حال ، فلا بد أن يخالف حالها بعد الإحصان حالها قبله ، وإلا لم يكن للتقييد فائدة ، فإما أن يقال قبل الإحصان : لا حد عليها ، والسنة الصحيحة تبطل ذلك ، وإما أن يقال : حدها قبل الإحصان حد الحرة ، وبعده نصفه ، وهذا باطل قطعا مخالف لقواعد الشرع وأصوله ، وإما أن يقال : جلدها قبل الإحصان تعزير ، وبعده حد ، وهذا أقوى ، وإما أن يقال : الافتراق بين الحالتين في إقامة الحد لا في قدره ، وأنه في إحدى الحالتين للسيد ، وفي الأخرى للإمام ، وهذا أقرب ما يقال .

وقد يقال : إن تنصيصه على التنصيف بعد الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن بالإحصان يزول التنصيف ، ويصير حدها حد الحرة ، كما أن الجلد زال عن البكر بالإحصان ، وانتقل إلى الرجم ، فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها ، وهي [ ص: 41 ] الإحصان تنبيها على أنه إذا اكتفي به فيها ، ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى ، والله أعلم .

وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريض زنى ولم يحتمل إقامة الحد ، بأن يؤخذ له عثكال فيه مائة شمراخ ، فيضرب بها ضربة واحدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث