الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان الأعيان الطاهرة والنجسة

ولما ذكر الأعيان الطاهرة والنجسة ذكر حكم ما إذا حلت النجاسة بطاهر فقال ( وينجس كثير طعام مائع ) كعسل وسمن ولو جمد بعد ذلك فالقليل أولى ( بنجس ) أو متنجس يتحلل منه شيء ولو ظنا لا شكا إذ لا يطرح الطعام به وأولى إذا علم بأنه لا يتحلل منه شيء كالعظم إذ الحكم عندنا لا ينتقل ( قل ) حل فيه فالكثير أولى ولو بمعفو عنه في الصلاة أو لم يمكن الاحتراز منه كروث فار ، ومثل الطعام الماء المضاف كماء العجين أو سكر حيث حلت فيه النجاسة بعد الإضافة وإلا اعتبر التغير ( ك ) طعام ( جامد ) وهو الذي إذا أخذ منه شيء لا يتراد بسرعة كثريد وسمن وعسل جامدين فينجس ( إن أمكن السريان ) في جميعه تحقيقا أو ظنا لا شكا [ ص: 59 ] بأن تكون النجاسة مائعة كبول والطعام متحلل كسمن أو يطول الزمن بحيث يظن السريان في الجميع ( وإلا ) يمكن السريان في جميعه لانتفاء الأمرين ( فبحسبه ) أي بحسب السريان من طول مكث أو قصره على ما يقتضيه الظن .

ولما كان الطعام إذا حلت فيه نجاسة لا يمكن تطهيره بخلاف الماء وكان بعض الأطعمة وقع فيها خلاف في قبول التطهير والراجح عدم القبول نبه عليه بقوله ( ولا يطهر ) أي لا يقبل التطهير ( زيت ) وما في معناه من جميع الأدهان ( خولط ) بنجس ( و ) لا ( لحم طبخ ) بنجس من ماء أو وقعت فيه نجاسة حال طبخه قبل نضجه أما إن وقعت بعد نضجه فيقبل التطهير بأن يغسل ما تعلق به من المرق ( و ) لا ( زيتون ملح ) [ ص: 60 ] بتخفيف اللام بنجس ( و ) لا ( بيض صلق بنجس ) على الراجح في الجميع

التالي السابق


( قوله : وينجس كثير طعام إلخ ) شمل منطوقه مسألة ابن القاسم وهي من فرغ عشر قلال سمن في زقاق جمع زق وعاء من جلد ثم وجد في قلة فارغة منها فارة يابسة لا يدري في أي زق فرغها فإنه يحرم أكل الزقاق كلها وبيعها ، وليس هذا من طرح الطعام بالشك ; لأن ذلك في نجاسة شك في طروها على الطعام وهي هنا محققة ولكنها لم يتعين محلها تعلق حكمها بالكل . ( قوله : بعد ذلك ) أي بعد وقوع النجاسة فيه وقوله فالقليل أشار بهذا إلى أن مفهوم كثير مفهوم موافقة وأنه من فحوى الخطاب ( قوله : بنجس ) أي بسقوط نجس فيه تحقيقا أو ظنا ولا بد أن يكون ذلك النجس الساقط يتحلل منه شيء في الطعام تحقيقا أو ظنا وسواء كانت النجاسة الواقعة في المائع مائعة أو يابسة ففي البرزلي عن ابن قداح إذا وقعت ريشة غير مذكى في طعام مائع طرح وقوله لا شكا أي في التحلل وكذا في سقوط النجاسة ( قوله : وأولى إذا علم ) أي أو ظن ( قوله : إذ الحكم ) المراد به وصف النجاسة القائم بالشيء النجس كالعظم لا ينتقل وحينئذ فيطرح ذلك العظم وحده دون الطعام واقتضى كلامه تنجيس القملة للعجين حيث لم تحصر في محل خلافا لمن قاسه بمحرم جهل عينها ببادية فلا يحرم نساء تلك البادية كما في ح .

إن قلت : ذكر ابن يونس أن الطعام إذا وقعت فيه قملة فإنه يؤكل لقلتها وكثرته قلت : لعله مبني على أن قليل النجاسة لا يضر كثير الطعام وإلا فهو مشكل كذا نقل شيخنا عن ابن مرزوق قال في المج والظاهر أن الفرع مبني على مذهب سحنون من أن القملة لا نفس لها سائلة ويؤيده إسناده له في النوادر وفي نقل ابن عرفة وعليه فلا يقيد بالقلة إلا للاحتياط ( قوله : ولو بمعفو عنه في الصلاة ) أي كدون درهم من دم لقصر العفو على الصلاة على المعتمد كما في ح ( قوله : كروث فار ) أي شأنه استعمال النجاسة كفار البيت ، فإذا حل روثه في طعام نجسه خلافا لما أفتى به ابن عرفة من طهارة طعام طبخ وفيه روث الفارة كذا في حاشية شيخنا ( قوله : ومثل الطعام الماء المضاف ) أي فإذا حلت فيه نجاسة ، ولو قليلة تنجس ، ولو لم يتغير وهذا هو المشهور ونقل الزرقاني عن الناصر أن الماء المضاف ليس كالطعام وحينئذ فلا تنجسه النجاسة إلا إذا غيرته ( قوله : وإلا ) أي بأن حلت فيه نجاسة قبل الإضافة فلا يتنجس إلا إذا تغير ، وقد ألغز في المج في ذلك بقوله :

قل للفقيه إمام العصر قد مزجت ثلاثة بإناء واحد نسبوا     لها الطهارة حيث البعض قدم أو
إن قدم البعض فالتنجيس ما السبب

( قوله : لا يتراد بسرعة ) أي لا يتراد من الباقي ما يملأ موضع المأخوذ بقرب ، فإن تراد بسرعة فهو مائع [ ص: 59 ] ينجس كله من غير تفصيل ( قوله : بأن تكون إلخ ) أي إن أمكن السريان بسبب كون إلخ ( قوله : مائعة ) لا إن كانت جامدة لا يتحلل منها شيء كعظم وسن فلا يتنجس ما سقطت فيه ; لأن الحكم لا ينتقل وحينئذ فتطرح النجاسة وحدها دون الطعام وفي الحاشية لا مفهوم لقوله مائعة فقد قال ح

فرع لا فرق بين كون النجاسة الواقعة في الجامد مائعة أو غير مائعة في أنه ينظر لإمكان السريان ا هـ وبعبارة أخرى سواء كان الواقع فيه مائعا أو غيره لقول البرزلي أفتى شيخنا ابن عرفة في هري زيتون وجدت فيه فارة ميتة بأنه نجس كله لا يقبل التطهير أي والفرض أنه طال الزمان بحيث يظن السريان في الجميع ا هـ كلام الحاشية ، وقد يقال إنه لا مخالفة بينه وبين كلام شارحنا ; لأن مراد شارحنا بالمائعة ما يتحلل منها شيء سواء كانت رطبة أو يابسة والمحترز عنه في كلامه الجامدة بمعنى التي لا يتحلل منها شيء ، والمراد بالمائعة في كلام الحاشية الرطبة وغير المائعة غير الرطبة والحال أنه يتحلل منها شيء ( قوله : أو يطول الزمان ) أي أو كان الطعام غير متحلل بل كان يابسا كالحبوب ولكن طال الزمان بحيث يظن سريان النجاسة لجميعه كانت مائعة كالبول أو جامدة كما لو مات خنزير في رأس مطمر وبقي الخنزير مدة طويلة وظن أن الحب كله شرب من صديده لم يؤكل كما نقله الشيخ عن ابن أبي زيد ( قوله : لانتفاء الأمرين ) أعني كون الطعام متحللا أو جامدا ومضت مدة يظن فيها السريان وذلك بأن كان الطعام جامدا غير متحلل كالحبوب ولم تمض مدة يظن فيها السريان للجميع بل للبعض والفرض أن النجاسة يتحلل منها سواء كانت رطبة كالبول أو يابسة كالفار الميت ، وأما لو كانت لا يتحلل منها شيء كالعظم فإنها تطرح وحدها كما مر ( قوله : فبحسبه ) أي فيطرح من ذلك الطعام ما سرت فيه النجاسة فقط بحسب طول مكثها وقصره على ما يقتضيه الظن والباقي طاهر يؤكل ويباع لكن يجب البيان ; لأن النفوس تقذفه ( قوله : بخلاف الماء ) أي فإنه إذا حلت فيه نجاسة وغيرته يمكن تطهيره بصب مطلق عليه قليل أو كثير حتى يزول التغير أو بصب تراب أو طين فيه حتى يزول التغير ( قوله : ولا يطهر زيت إلخ ) خلافا لمن قال وهو ابن اللباد إنه يمكن تطهيره بصب ماء عليه وخضخضته وثقب الإناء من أسفله وصب الماء منه ويفعل كذلك مرارا حتى يغلب على الظن زوال النجاسة .

( قوله : وما في معناه من جميع الأدهان ) إنما نبه على الأدهان فقط مع أن غيرها من سائر المائعات كاللبن والعسل وغير ذلك مثلها في الحكم ; لأن الخلاف إنما وقع في الأدهان ; لأن الماء يخالطها ثم ينفصل عنها بخلاف غيرها فإنه يمازجها ولا ينعزل عنها فلا تطهر اتفاقا ا هـ بن ( قوله : خولط ) بالواو ; لأنه من خالط لا من خلط كزوحم من زاحم لا من زحم ، وأما طبخ وما بعده فهو من طبخ وملح وصلق ، وإنما عدل عن خلط إلى خولط ليشمل ما إذا كان الخلط بفعل فاعل أم لا بخلاف خلط فإنه إنما يصدق إذا كان الخلط بفعل فاعل ( قوله : فيقبل التطهير ) أي ما لم تطل إقامة النجاسة فيه بحيث يظن أنها سرت فيه وإلا فلا يقبل التطهير وما ذكره الشارح من التفصيل في اللحم بين حلول النجاسة في ابتداء الطبخ وانتهائه هو المعول عليه خلافا لمن قال : يطهر اللحم الذي يطبخ بماء نجس أو تقع فيه نجاسة لا فرق بين ابتداء الطبخ وانتهائه وخلافا لمن قال : إنه لا يطهر مطلقا وأفهم قوله طبخ أن ما يفعله النساء من أنه إذا ذكيت دجاجة أو نحوها وقبل غسل مذبحها تصلقها لأجل نزع ريشها ثم تطبخ بعد ذلك فإنها تؤكل خلافا لصاحب المدخل القائل بعدم أكلها ; لأنه سرت النجاسة في جميع أجزائها ( قوله : ولا زيتون ملح بنجس ) أي بأن جعل عليه ملح نجس يصلحه إما وحده [ ص: 60 ] أو مع ماء ، وأما لو طرأت عليه النجاسة بعد تمليحه واستوائه فإنه يقبل التطهير بغسله بالماء المطلق ومثل ذلك يقال في الجبن والليمون والنارنج والبصل والجزر الذي يخلل ومحل عدم الضرر إذا لم تمكث النجاسة مدة يظن أنها سرت فيه وإلا فلا يقبل التطهير ( قوله : بتخفيف اللام ) أي ملح بوضع ملح نجس عليه من أول الأمر خلافا لمن قال : إنه يقبل التطهير بغسله بالمطلق ( قوله : وبيض صلق ) شامل لبيض النعام ; لأن غلظ قشره لا ينافي أن يكون له مسام يسري منها الماء ولا فرق بين أن يكون الماء المصلوق فيه متغيرا بالنجاسة أم لا ; لأنه ملحق بالطعام إما ; لأنه مظنة التغير وإما مراعاة لقول ابن القاسم وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة ، وإن لم تغيره ا هـ عبق عن ز وقال بن الظاهر كما قاله بعضهم أن الماء إذا حلته نجاسة ولم تغيره ثم صلق فيه البيض فإنه لا ينجسه لما مر من أن الماء حينئذ طهور ، ولو قل على المشهور وكذا إذا وجدت فيه واحدة مذرة ولم يتغير الماء فإن الباقي طهور ، وأما كلام أحمد وغيره فغير ظاهر في ذلك ا هـ كلامه ( قوله : صلق بنجس ) أي ، وأما لو طرأت له النجاسة بعد صلقه واستوائه فإنه لا يتنجس كما أنه لو شوى البيض المتنجس قشره فإنه لا ينجس



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث