الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

هذا ( فصل ) في الشرط الثالث وهو ستر العورة وافتتحه المصنف على لسان سائل سأله وأجابه بقوله خلاف فقال ( هل ستر عورته ) أي المصلي المكلف كلها أو بعضها وأما الصبي فيعيد في الوقت إن صلى عريانا ( بكثيف ) المراد به ما لا يشف في بادئ الرأي بأن لا يشف أصلا أو يشف بعد إمعان النظر وخرج به ما يشف في بادئ النظر فإن وجوده كالعدم وأما ما يشف بعد إمعان نظر فيعيد معه في الوقت كالواصف ( وإن ) كان الستر به حاصلا ( بإعارة ) بلا طلب ( أو طلب ) بشراء أو استعارة إلا أن يتحقق بخلهم فلا يلزمه الطلب [ ص: 212 ] ( أو ) كان حاصلا ( نجس وحده ) أي لم يجد غيره إذا كان نجس الذات كجلد كلب أو خنزير وأولى من المتنجس ( كحرير ) فإنه يستتر به إذا لم يجد غيره للضرورة فيهما ( وهو ) أي الحرير ( مقدم ) على النجس عند اجتماعهما لأنه لا ينافي الصلاة بخلاف النجس ( شرط ) خبر قوله ستر ( إن ذكر وقدر ) إن لم يكن بخلوة بل ( وإن ) كان ( بخلوة ) لكن الراجح التقييد بالقدرة في فقط ، فمن صلى عريانا ناسيا أعاد أبدا . ( للصلاة ) تنازعه ستر وشرط ، أي هل الستر للصلاة شرط في صحتها فتبطل بتركه أو واجب غير شرط فيأثم تاركه عمدا ويعيد في الوقت كالعاجز والناسي بلا إثم ( خلاف ) والقول بالسنية أو الندب ضعيف لم يدخل في كلامه والخلاف في المغلظة وهي من رجل السوأتان وهما من المقدم الذكر والأنثيان ، ومن المؤخر ما بين أليتيه فيعيد مكشوف الأليتين والعانة كلا أو بعضا بوقت [ ص: 213 ] ومن أمة الأليتان والفرج وما والاه ومن حرة ما عدا صدرها وأطرافها وليس منها الساق على الظاهر بل من المخففة والمصنف ذكر العورة الشاملة للمغلظة والمخففة بالنسبة للصلاة وللرؤية إجمالا فقال ( وهي من رجل ) مع مثله أو مع محرمه ( و ) من ( أمة ) مع رجل أو امرأة ( وإن ) كانت الأمة ( بشائبة ) من حرية كأم ولد ( و ) من ( حرة مع امرأة ) حرة أو أمة ولو كافرة ( ما بين سرة وركبة ) راجع للثلاثة [ ص: 214 ] وهو بيان لها بالنسبة للرؤية وكذا بالنسبة للصلاة في حق الأوليين الشاملة للمغلظة والمخففة فإذا خيف من أمة فتنة وجب ستر ما عدا العورة لخوف الفتنة لا لكونها عورة وكذا يقال في نظيره كستر وجه الحرة ويديها .

التالي السابق


( فصل في ستر العورة ) ( قوله : هل ستر ) هو هنا بفتح السين لأنه مصدر وأما الستر بالكسر فهو ما يستتر به ( قوله : أو بعضها ) أي إن عجز عن ستر كلها ولم يقدر إلا على ستر بعضها ( قوله : وأما الصبي فيعيد في الوقت إن صلى عريانا ) أي وأما إذا صلى بلا وضوء فقال أشهب يعيد أبدا أي ندبا وقال أصبغ يعيد بالقرب لا بعد يومين أو ثلاثة ( قوله : ما لا يشف في بادئ الرأي ) أي ما لا تظهر منه العورة في بادئ الرأي ( قوله : وخرج به ما يشف ) أي ما تظهر منه العورة في بادي النظر وقوله فإن وجوده كالعدم أي وحينئذ فيعيد من صلى فيه أبدا ( قوله : فيعيد معه في الوقت ) أي إن الصلاة فيه صحيحة مع الكراهة التنزيهية وحينئذ فيعيد في الوقت فقط كالواصف للعورة المحدد لها هذا هو الذي انحط عليه كلام عج وارتضاه بن وهو الظاهر لا ما في طفى أن الكراهة للتحريم والإعادة أبدية ولا ما في حاشية شيخنا عن ابن عبق من صحة الصلاة فيما يشف مطلقا سواء كانت العورة تظهر منه للتأمل أو لغير المتأمل واعتمده . والحاصل أن ستر العورة في الصلاة بالثوب الشفاف فيه ثلاثة طرق فقيل إنه كالعدم ويعيد أبدا كانت العورة تظهر منه للمتأمل أو لغيره وقيل بصحة الصلاة مطلقا وقيل بالتفصيل بين ما تظهر منه العورة عند التأمل وما تظهر منه عند عدم التأمل فتصح في الأول دون الثاني ( قوله : وإن بإعارة ) أي هذا إذا كان الستر به حاصلا من غير إعارة لوجوده عنده بل وإن كان إلخ ( قوله : بلا طلب ) أي فإذا أعاره له صاحبه من غير طلب منه لزمه قبوله ولو تحقق المنة وذلك لقلة سبب المانية وهو الانتفاع به وإنما قيد الإعارة بعدم الطلب لدفع ما يرد على المصنف من أن فيه عطف العام على الخاص بأو . وحاصل جوابه أنه من عطف المغاير ( قوله : أو طلب ) أي أو كان الستر به حاصلا بطلب بشراء أو استعارة فيلزم المصلي أن يطلب الساتر لكل صلاة بإعارة أو بشراء بثمن معتاد كالماء لا يحتاج له لا بهبة [ ص: 212 ] لعظم مانيتها ( قوله : أو كان حاصلا بنجس ) أي أو كان الستر بالكثيف حاصلا بنجس أي متحققا في الستر بنجس وقوله وحده حال من نجس أي حالة كون النجس متوعدا في الوجود ( قوله : كجلد كلب أو خنزير ) أي فيجب عليه أن يستتر بما ذكر إذا لم يجد غيره على ظاهر المذهب ولا يصلي عريانا ويكون هذا مخصصا لما سبق من منع الانتفاع بذات النجاسة قاله شب ( قوله : وأولى من المتنجس ) أي إنه أولى من نجس الذات في وجوب الاستتار به إذا لم يجد غيره ولا يصلي عريانا وأولى منهما الحشيش والماء لمن فرضه الإيماء وإلا فالركن مقدم وأما الطين فقال الطرطوشي إذا لم يجد غيره وجب الاستتار به بأن يتمعك به وقال غيره لا يجب الاستتار به لأنه مظنة للسقوط ويكبر الجرم فهو كالعدم وهذا الثاني أظهر القولين كما قال شيخنا ( قوله : كحرير ) ما ذكره من وجوب الاستتار به أو بالنجس عند عدم غيره هو المشهور من المذهب ومقابله ما في سماع ابن القاسم يصلي عريانا ولا يصلي بالحرير ولا بالنجس ( قوله : وهو مقدم على النجس ) أي وكذا على المتنجس وهذا قولابن القاسم وقال أصبغ يقدم كل من النجس والمتنجس على الحرير لأن الحرير يمنع لبسه مطلقا والنجس إنما يمنع لبسه في حال الصلاة لما تقدم أنه مستثنى من النجس في قوله وينتفع بمتنجس لا نجس والممنوع في حالة أولى من الممنوع مطلقا والمعتمد ما قاله ابن القاسم والظاهر كما قال شيخنا تقديم المتنجس على النجس لأن تقليل النجاسة مطلوب مع الإمكان ويحتمل أنهما سواء ( قوله : لأنه لا ينافي الصلاة ) أي لأنه طاهر وشأن الطاهر أن يصلي به دون النجس ( قوله : إن ذكر وقدر ) أي فإن صلى عريانا ناسيا أو عاجزا صحت وأعاد بوقت فقط ( قوله : لكن الراجح إلخ ) اعلم أن طفى تعقب المصنف فقال إنه تبع ابن عطاء الله في تقييده بالذكر والقدرة وأما غيره فلم يقيده بالذكر وهو الظاهر فيعيد أبدا من صلى عريانا ناسيا مع القدرة على الستر وقد صرح الجزولي بأنه شرط مع القدرة ذاكرا أو ناسيا وهو الجاري على قواعد المذهب ا هـ قال ابن قلب في ح عن الطراز ما نصه قال القاضي عبد الوهاب اختلف أصحابنا هل ستر العورة من شرائط الصلاة مع الذكر والقدرة أو هو فرض وليس بشرط في صحة الصلاة حتى إذا صلى مكشوفا مع العلم والقدرة سقط عنه الفرض وإن كان عاصيا آثما ا هـ وبه يعلم أن تعقبه على المصنف وقوله ولم يقيده به غيره كل ذلك قصور ا هـ كلام بن فتحصل من هذا أن القول بأن ستر العورة شرط صحة مقيد بالذكر والقدرة عند بعضهم وبالقدرة فقط عند بعضهم فالمصلي عريانا ناسيا مع القدرة على الستر صلاته صحيحة على الأول لا على الثاني والراجح ما مشى عليه المصنف من التقييد بهما كما قرره شيخنا خلافا للشارح واعلم أن سقوط الساتر ليس من العجز فيرده فورا بل المشهور البطلان كما في ح ( قوله : أو واجب غير شرط ) هذا القول غير مقيد بالذكر والقدرة وعليه فالإعادة في الوقت مطلقا بخلاف القول بالشرط فيعيد أبدا مع الذكر والقدرة مع عدم أحدهما يعيد في الوقت ( قوله : كالعاجز والناسي ) أي كإعادة العاجز والناسي ( قوله : خلاف ) الأول شهره ابن عطاء الله قائلا هو المعروف من المذهب والثاني شهره ابن العربي لكن الراجح منهما الأول وأما القول بالسنية فهو قول القاضي إسماعيل وابن بكير والأبهري وأما القول بالندب فنقله ابن بشير عن اللخمي كما في المواق ونص المواق ابن شاس الستر واجب عن أعين الناس وهل يجب في الخلوات أو يندب قولان وإذا قلنا لا يجب في الخلوات فهل يجب للصلاة في الخلوة أو يندب لها فيها ؟ ذكر ابن بشير في ذلك قولين عن اللخمي انظر بن ( قوله : لم يدخل في كلامه ) أي لأنه لم يشهر واحدا منهما ( قوله : وهي ) أي المغلظة التي تعاد الصلاة لكشفها أبدا على الراجح ( قوله : ما بين أليتيه ) أي وهو فم الدبر ويسمى ما ذكر بالسوأتين لأن كشفهما يسوء الشخص ويدخل عليه الأحزان ( قوله : بوقت ) [ ص: 213 ] أي لأن الأليتين والعانة من العورة المخففة لا المغلظة بالنسبة للرجل ولا إعادة عليه في كشف الفخذ ولو عمدا لا بوقت ولا غيره وكذا على ما استظهره عج كشف ما فوق العانة للسرة وإن كان كل منهما من العورة المخففة ( قوله : ومن أمة ) عطف على من رجل وظاهره ولو كان فيها شائبة حرية وهو كذلك ( قوله : الأليتان ) أي وما بينهما من فم الدبر وقوله وما والاه أي من العانة وأما الفخذ وكذا ما فوق العانة للسرة فليس من العورة المغلظة بل من المخففة فتعيد لكشفه في الوقت ( قوله : ما عدا صدرها ) أي وكذا ما حاذاه من ظهرها أعني الكتفين ( قوله : وأطرافها ) أي وما عدا أطرافها وهي الذراعان والرجلان والعنق والرأس ( قوله : وليس منها ) أي من المغلظة الساق بل من المخففة أي كما أن صدرها وما حاذاه من أكتافها وأطرافها من المخففة . والحاصل أن المغلظة من الحرة بالنسبة للصلاة بطنها وما حاذاه ومن السرة للركبة وهي خارجة فدخل الأليتان والفخذان والعانة وما حاذى البطن من ظهرها وأما صدرها وما حاذاه من ظهرها سواء كان كتفا أو غيره وعنقها لآخر الرأس وركبتها لآخر القدم فعورة مخففة يكره كشفها في الصلاة وتعاد في الوقت لكشفها وإن حرم النظر لذلك كما يأتي ( قوله : وهي من رجل ) أراد به الشخص الذكر ولو جنيا فعورته ما بين السرة والركبة ( قوله : مع مثله أو مع محرمه ) أي من النساء وأما عورته مع امرأة أجنبية سواء كانت حرة أو أمة فهي ما عدا الوجه والأطراف كما يأتي في قوله وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه ( قوله : بشائبة ) أي ملتبسة بشائبة ( قوله : كأم ولد ) أي ومكاتبة ومدبرة قيل في ذكره أم الولد نظر ففي المدونة ولا تصلي أم الولد إلا بقناع كالحرة فهذا يقتضي أن صدرها وعنقها عورة لا أن عورتها ما بين السرة والركبة فقط كما هو ظاهره ورد بأن سترها ما زاد على ما بين السرة والركبة مندوب فقط كما يأتي في قوله ولأم ولد وصغيرة ستر واجب على الحرة والكلام هنا فيما هو عورة يجب ستره ( قوله : مع امرأة ) راجع للحرة فقط كما هو ظاهر الشارح وأما رجوعه للثلاثة كما قاله بعض الشراح فغير صحيح ( قوله : ولو كافرة ) أي هذا إذا كانت الحرة أو الأمة مسلمة بل ولو كانت كافرة وهذا مسلم في الأمة وأما الحرة الكافرة فعورة الحرة المسلمة معها على المعتمد ما عدا الوجه والكفين كما في بن لا ما بين السرة والركبة فقط كما هو ظاهر الشارح وقول عبق ما عدا الوجه والأطراف ممنوع بل في شب حرمة جميع المسلمة على [ ص: 214 ] الكافرة لئلا تصفها لزوجها الكافر فالتحريم لعارض لا لكونه عورة كما أفاده شيخنا وغيره ( قوله : وهو بيان لها ) أي للعورة بالنسبة للرؤية في حق الثلاثة وعلى هذا فلا يجوز للرجل أن يرى الفخذ من مثله وذكر بعضهم كراهة ذلك مطلقا وذكر بعضهم كراهة كشفه مع من يستحيا منه { فقد كشفه صلى الله عليه وسلم بحضرة أبي بكر وعمر فلما دخل عثمان ستره وقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة } ( قوله : في حق الأوليين ) أي وأما عورة الحرة بالنسبة للصلاة فسيأتي يشير إليها ( قوله : وجب ستر ما عدا العورة ) أي زيادة على ستر العورة ( قوله : كستر وجه الحرة ويديها ) أي فإنه يجب إذا خيف الفتنة بكشفها .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث