الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( و ) سادسها ( قيام لها ) أي للفاتحة في صلاة الفرض للقادر عليه وإذا كانت الفاتحة من فرائض الصلاة ( فيجب ) على كل مكلف ( تعلمها إن أمكن ) بأن قبل التعلم ولو في أزمنة طويلة وأيام كثيرة ويجب عليه بذل وسعه في تعلمها إن كان عسر الحفظ في كل الأوقات إلا أوقات الضرورة ووجد معلما ولو بأجرة ( وإلا ) يمكن التعلم بأن لم يقبله أو لم يجد معلما أو ضاق الوقت ( ائتم ) وجوبا بمن يحسنها إن وجده وتبطل إن تركه ( فإن لم يمكنا ) أي التعلم والائتمام والوجه أن يقول فإن لم يمكن بالإفراد ليكون الضمير عائدا على الائتمام المرتب على عدم إمكان التعلم أي فإن لم يمكنه الائتمام وصلى منفردا ( فالمختار سقوطهما ) أي الفاتحة والقيام لها وظاهره أن مقابل المختار يقول بوجوبها حال عجزه عنها ولا قائل به إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإنما الخلاف في وجوب الإتيان ببدلها مما تيسر من الذكر وعدم وجوبه واختار اللخمي الثاني وهو المعول عليه فكان على المصنف أن يقول فالمختار سقوط بدلها ( وندب ) [ ص: 238 ] على ما اختاره اللخمي ( فصل ) بسكوت أو ذكر وهو أولى ( بين تكبيره وركوعه ) ( وهل تجب الفاتحة في كل ركعة ) وهو الأرجح ( أو ) في ( الجل ) وتسن في الأقل لكن لا كحكم السنن لاتفاق القولين على أن تركها عمدا مبطل لأنها سنة شهرت فرضيتها ( خلاف ) محله كما يستفاد من قوله أو الجل في غير الثنائية ( وإن ترك ) الفذ أو الإمام ( آية منها ) أو أقل أو أكثر أو تركها كلها سهوا ولم يمكن التلافي بأن ركع ( سجد ) قبل سلامه ولو على أنها واجبة في الكل مراعاة للقول بوجوبها في الجل فإن أمكن التلافي تلافاها فإن لم يسجد أو تركها عمدا بطلت ولو تركها في ركعة من ثنائية أو في ركعتين من رباعية سهوا تمادى وسجد للسهو وأعاد أبدا احتياطا على الأشهر .

التالي السابق


( قوله : وقيام لها ) اللام للتعليل أي وقيام لأجل الفاتحة في حق الإمام والفذ لا أنه فرض مستقل بنفسه وهذا هو المعتمد وعليه لو عجز عنها سقط القيام وقيل إن القيام فرض مستقل فلا يسقط عمن عجز عن قراءتها وأما المأموم فلا يجب عليه القيام لها فلو استند حال قراءتها لعماد بحيث لو أزيل العماد لسقط صحت صلاته . والحاصل أنه لما جاز له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام من حيث عدم وجوب القراءة عليه وإن بطلت عليه صلاته بجلوسه حال قراءتها ثم قيامه للركوع لكثير الفعل لا لمخالفته للإمام كما قيل لصحة اقتداء الجالس بالقائم ( قوله : للقادر عليه ) أي على القيام أي وأما العاجز عنه فلا يجب عليه القيام لها فلو قدر العاجز على القيام في أثناء الصلاة وجب عليه فإن عجز عن القيام لبعضها وقدر على القيام لبعضها فهل يسقط عنه القيام لما يقدر عليه ويأتي بها كلها من جلوس أو يأتي بما يقدر عليه قائما ويجلس في غيره قولان مشهورهما الثاني ( قوله : فيجب تعلمها إن أمكن ) أي فبسبب وجوبها يجب تعلمها إن أمكن فإن فرط في التعلم مع إمكانه قضى من الصلوات بعد تعلمه ما صلاه فذا في غير الزمان الذي يمكن أن يتعلم فيه وأما الزمن الذي يمكن أن يتعلم فيه فلا يعيد الصلاة الواقعة فيه ( قوله : ووجد معلما ) عطف على قوله قبل التعلم ( قوله : ائتم وجوبا بمن يحسنها ) أي لأن قراءتها واجبة ولا يتوصل بذلك الواجب إلا بالائتمام بمن يحسنها ( قوله : وتبطل إن تركه ) أي إن ترك الائتمام وصلى فذا ( قوله : أي التعلم والائتمام ) عدم إمكان التعلم إما لعدم معلم أو لضيق الوقت الذي هو فيه أو لعدم قبوله التعلم لبلادة وعدم إمكان الائتمام لعدم وجود من يأتم به .

( قوله : وصلى منفردا ) أي وأراد أن يصلي منفردا ( قوله : في وجوب الإتيان ببدلها مما تيسر من الذكر ) أي وهو قول الإمام محمد بن الإمام سحنون وقوله وعدم وجوبه أي وهو قول القاضي عبد الوهاب وهو المعتمد فلو عجز عن التعلم والائتمام وشرع في الصلاة منفردا فطرأ عليه قارئ أو طرأ عليه العلم بها وهو في الصلاة بأن سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع لم يقطع ويتمها كعاجز عن القيام قدر عليه في أثنائها [ ص: 238 ] قوله : على ما اختاره اللخمي ) أي من عدم وجوب الإتيان ببدلها من الذكر على من لا يمكنه الإتيان بها ولا الائتمام ( قوله : فصل بين إلخ ) أي بأن يقف بعد تكبيره وقوفا ما ساكتا فيه أو ذاكرا فاصلا به بين تكبيره وركوعه لئلا تلتبس تكبيرة القيام بتكبيرة الركوع فإن لم يفصل وركع أجزأه وقال ابن مسلمة يستحب أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة معها قال اللخمي وليس هذا القول بينا لأن الوقوف لم يكن لنفسه وإنما هو لقراءة القرآن فإن لم يحسن ذلك صار القيام لغير فائدة .

( قوله : وهو أولى ) أي فالفصل مندوب وكونه يذكر مندوبا آخر فإن حفظ غيرها من القرآن كان الفصل به أولى من غيره من الإذكار .

( قوله : وهل تجب إلخ ) اعلم أنه وقع في المذهب خلاف في وجوب الفاتحة في الصلاة وعدم وجوبها فيها فقيل إنها لا تجب في شيء من الركعات بل هي سنة في كل ركعة لحمل الإمام لها وهو لا يحمل فرضا وبه قال ابن شبلون وروى الواقدي نحوه عن مالك فقال عنه من لم يقرأ في صلاة لا إعادة عليه وقيل إنها تجب وعليه فاختلف في مقدار ما تجب فيه من الركعات على أقوال أربعة فقيل إنها واجبة في كل ركعة وهو الراجح وقيل إنها واجبة في الجل وسنة في الأقل وقيل إنها واجبة في ركعة وسنة في كل ركعة من الباقي وهو قول المغيرة وقيل إنها واجبة في النصف وسنة في الباقي والمصنف اقتصر على قولين لتشهيرهما لأن القول بوجوبها في كل ركعة قول مالك في المدونة وشهره ابن بشير وابن الحاجب وعبد الوهاب وابن عبد البر والقول بوجوبها في الجل رجع إليه مالك وشهره ابن عسكر في الإرشاد وقال القرافي هو ظاهر المذهب ( قوله : لاتفاق القولين على أن تركها عمدا ) أي كلا أو بعضا ولو في ركعة وقوله مبطل أي للصلاة لا للركعة فقط وقوله لأنها سنة إلخ علة للبطلان على القول بأنها واجبة في الجل وسنة في الأقل وما ذكره من بطلان الصلاة باتفاق القولين فيه نظر ففي عبق أنه إذا ترك الفاتحة كلها أو بعضها عمدا فعلى وجوبها في الجل قيل تبطل الصلاة لأنه ترك سنة شهرت فرضيتها واقتصر عليه بعض شراح الرسالة وقيل لا تبطل ويسجد قبل السلام وعليه اللخمي وهو ضعيف إذ المعتمد أنه لا سجود للعمد وعلى وجوبها بكل ركعة فتبطل الصلاة قطعا وكأن الشارح نزل قول اللخمي منزلة العدم لشدة ضعفه ( قوله : محله في غير الثنائية ) أي محله في الرباعية والثلاثية وأما الثنائية فلا يتأتى فيها القول بوجوبها في الجل وسنيتها في الأقل ويتأتى فيها ما عدا ذلك من بقية الأقوال المتقدمة .

( قوله : وإن ترك آية منها سجد ) هذا مرتب على كل من القولين السابقين أي وإن ترك من الفاتحة آية سهوا ولم يمكن تلافيها بأن ركع سجد قبل السلام باتفاق القولين فإن ترك السجود بطلت الصلاة وأما إن أمكنه تلافيها بأن تذكر قبل أن يركع تلافاها فإن ترك التلافي مع إمكانه كأن تركها عمدا فتبطل الصلاة على كلا القولين . واعلم أن من قبيل ترك الآية قراءة بعض الفاتحة أو كلها في حالة القيام من السجود قبل استقلاله قائما فيسجد قبل السلام حيث فات التلافي وتصح صلاته فرضا كانت أو نفلا هذا إذا كانت قراءته في حالة القيام سهوا وأما عمدا فتبطل لأنه بمنزلة من ترك الفاتحة عمدا ( قوله : أو تركها كلها ) أي في ركعة من ثلاثية أو رباعية ( قوله : ولم يمكن التلافي ) راجع لترك الآية والأقل والأكثر ولتركها كلها كما أن قوله سهوا كذلك ( قوله : سجد قبل سلامه ) أي ولا يأتي بركعة بدل ركعة النقص ولا يعيد تلك الصلاة هذا ظاهره وهو قول في المسألة ولكن ظاهر المذهب أنه إذا ترك الفاتحة كلا أو بعضا سهوا من الأقل كركعة من الرباعية أو الثلاثية فإنه يسجد قبل السلام ثم يعيد تلك الصلاة احتياطا وهو الذي اختاره في الرسالة ونصها واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها أي من غير [ ص: 239 ] الصبح فقيل يجزئ عنه سجود السهو قبل السلام وقيل يلغيها ويأتي بركعة وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا وهو أحسن ذلك إن شاء الله تعالى وهذا القول أيضا هو المشهور فيمن تركها من النصف كركعتين من الرباعية أو واحدة من الثنائية كما نقله في التوضيح عن ابن عطاء الله خلافا لما قال إنه يلغي ما ترك من قراءة الفاتحة ويأتي ببدله ويسجد بعد السلام وهو المشهور أيضا فيمن تركها من الجل كما ذكره ابن الفاكهاني خلافا لمن قال يلغي ما ترك من القراءة ويأتي ببدله ويسجد بعد السلام فتحصل أن من ترك الفاتحة سهوا فإما أن يتركها من الأقل أو من النصف أو من الجل وأن المشهور في ذلك كله أنه يتمادى ويسجد قبل السلام ويعيدها ندبا ومقابل المشهور قولان إذا تركها من الأقل وقول واحد إذا تركها من النصف أو الجل والإعادة أبدية كما قال طفى والشيخ سالم وإنما أعاد أبدا مراعاة للقول بوجوبها في الكل ويسجد قبل السلام مراعاة لقول المغيرة بوجوبها في ركعة وما فهمه تت وعج من أن الإعادة في الوقت قال طفى فهم غير صحيح انظر بن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث